ولد تربُّه، قال: فأي النساء أشهى؟ قلت: من تخرج من عندها كارهًا، وترجع إليها والهًا، قال: فأي الخيل أفْرَهُ؟ قلت: الأشدق الأعين الذي إذا طُلب سَبَق، وإذا طَلب لحق، قال: احسنت، يا بشر أعطه مائة دينار، قلت: وأين تقع مني مائتا دينار؟ قال: أوقد زدت نفسك مائة دينار؟ يا غلام أعطه المائة كما ذكرنا، والمائة الأخرى لحسن ظنه بنا، فانصرفت بمائتي دينار، فما كان بين هذا الحديث وبين تنحِّيه من الري إلا جمعة.
وكان المستعين حسن المعرفة بأيام الناس وأخبارهم، لهجًا بأخبار الماضين.
عروة بن حزام:
وحدث محمد بن الحسن بن دريد قال: أخبرني أبو البيضاء مولى جعفر الطيار، وكان طيب الحديث، قال: وفدنا في أيام المستعين من المدينة الى سامرا وفينا جماعة من آل أبي طالب وغيرهم من الأنصار، فأقمنا ببابه نحوًا من شهر، ثم وصلنا إليه، فكل تكلم وعَبَّر عن نفسه فقرب وآنس، وابتدأ بذكر المدينة ومكة وأخبارهما، وكنت أعْرَفَ الجماعة بما شرع فيه، فقلت: أيأذن أمير المؤمنين في الكلام؟ قال: ذلك إليك، فشرعت معه فيما قصد إليه، وتسلسل بنا الكلام الى فنون من العلم في أخبار الناس، ثم انصرفنا، وأقيم لنا الإنزال والإفضال، فلما كان في أول الليل أتانا خادم ومعه عدة من الأتراك وفرسان، فحملت على جنيبة كانت معهم، وأتي بي الى المستعين، فإذا هو جالس في الجوسق، فقربني وأدناني، ثم أخذ بعد أن آنس في أخبار العرب وأيامها، وأهل التتيم، فانتهى بنا الكلام الى أخبار العُذْريين والمتيمين، فقال لي: ما عندك من أخبار عُرْوة بن حزام، وما كان منه مع عَفْراء؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، إن عروة بن حزام لما انصرف من عند عَفْراء بنت عقال توفي وَجْدًا بها وصبابة إليها، فمر به ركب فعرفوه، فلما انتهوا الى منزل عفراء صاح صائح منهم:
ألا أيها القصر المغفل أهله ... نعينا إليكم عروة بن حزام