أبى القلب إلا حبها عامرية ... لها كنية عمرو، وليس لها عمرو
تكاد يدي تَندَى إذا ما لمستها ... وينبت في أطرافها الورق الخضر
عجبت لسعي الدهر بيني وبينها ... فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر
فيا حبها زدْني جَوىً كل ليلة ... ويا سلوة الأيام موعدك الحشر
قال: ثم نهض، فانصرفت، ثم عدت من الغد، فأصبته، ففعلت فعلي بالأمس، وفعل مثل فعله، فلما أنس قلت: أحسن والله قيس بن ذريح، حيث يقول، قال: ما ذا؟ قلت:-
هَبُوني امرأ إنْ تحسنوا فهو شاكر ... لذاك، وإن لم تحسنوا فهو صافح
فإن يك قوم قد أشاروا بهجرنا ... فإن الذي بيني وبينك صالح
قال: فبكى، وقال: أنا والله أشعر منه، حيث أقول:-
وأدنيتني حتى إذا ما سبيتني ... بقول يحل العُصْمَ سهل الأباطح
تجافيت عني حيث ما ليَ حيلة ... وخَلَّفْت ما خَلَّفْت بين الجوانح
ثم ظهرت لنا ظبية، فوثب في إثرها، فانصرفت، ثم عدت في اليوم الثالث فلم أصادفه، فرجعت، فأخبرتهم، فوجهوا الذي كان يذهب بطعامه فرجع، وأخبرهم أن الطعام على حاله، ثم غدوت مع إخوته، فطلبناه يومنا وليلتنا، فلما أصبحنا أصبناه في واد كثير الحجارة، وإذا هو ميت، فاحتمله اخوته، ورجعت إلى بلدي.
قال المسعودي: وفي سنة ثمان وأَربعين ومائتين كانت وفاة بُغا الكبير التركي، وقد نيَّفَ على التسعين سنة، وقد كان باشر من الحروب ما لم يباشره أحد، فما أصابته جراحة قط، وتقلد ابنه موسى بن بُغا ما كان يتقلده، وضم إليه أصحابه، وجعلت له قيادته، وكان بُغا دَيِّنًا من بين الأتراك، وكان من غلمان المعتصم، يشهد الحروب العظام، ويباشرها بنفسه، فيخرج منها سالمًا، ويقول: الأجل جوشن.