الطريقة، الأصيل الرأي، الموثوق به في الأمر العظيم، فإن مِلْتُ الى عبد الله أسخطت بني هاشم، وإن أفردت محمدًا بالأمر لم آمن تخليطه على الرعية.
فأشِرْ عليَّ في هذا الأمر برأيك مشورة يعم فضلها ونفعها، فإنك بحمد الله مبارك الرأي لطيف النظر، فقال: يا أمير المؤمنين إن كل زلة مستقالة وكل رأي يتلافى خلا هذا العهد، فإن الخطأ فيه غير مأمون، والزلة فيه لا تستدرك، وللنظر فيه مجلس غير هذا، فعلم الرشيد أنه يريد الخلوة فأمرني بالتنحي، فقمت وقعدت ناحية بحيث أسمع كلامهما، فما زالا في مناجاة ومناظرة طويلة حتى مضى الليل، وافترقا على أن عقد الأمر لعبد الله بعد محمد.
ودخلت أم جعفر على الرشيد فقالت: ما أنصفت ابنك محمدًا حيث ولَّيتَه العراق وأعْرَيته عن العدد والقواد، وصيرت ذلك الى عبد الله دونه، فقال لها: وما أنت وتميز الأعمال واختبار الرجال؟ إني وليَّت ابنك السِّلْم، وعبد الله الحرب، وصاحب الحرب أحوج إلى الرجال من المسالم ومع هذا فإنا نتخوف ابنك على عبد الله، ولا نتخوف عبد الله على ابنك إن بويع.
وفي سنة ست وثمانين ومائة خرج الرشيد حاجًا ومعه وليَّا عهده:
الأمين والمأمون، وكتب الشرطين بينهما وعلقهما في الكعبة.
وحكي عن إبراهيم الحَجَيِّ أن الكتاب لما رُفع ليعلق بالكعبة وقع، فقلت في نفسي: وقع قبلَ أن يرتفع، إن هذا الأمر سريع انتقاضه قبل تمامه.
وحكي عن سعيد بن عامر البصري قال: حججت في هذه السنة وقد استعظم الناسُ أمر الشرط والأيمان في الكعبة، فرأيت رجلًا من هذيل يقود بعيره وهو يقول: