ودخل الوليد على أم البنين فأخبرها بمقالة الحجاج، فقال: يا أمير المؤمنين أحبُّ أن تأمره غدًا بالتسليم عليَّ، فقال: أفعل، فلما غدا الحجاج على الوليد قال له: يا أبا محمد، سر الى أم البنين فسلم عليها، فقال: أعْفني من ذلك يا أمير المؤمنين، فقال: لا بد من ذلك، فمضى الحجاج إليها، فحجبته طويلا، ثم أذنت له فأقرته قائمًا، ولم تأذن له في الجلوس، ثم قالت: إيه يا حجاج، أنت الممتَنُّ على أمير المؤمنين بقتل ابن الزبير وابن الأشعث؟ أما والله لو لا أن الله جعلك أهْوَنَ خلقه ما ابتلاك برمي الكعبة، ولا بقتل ابن ذات النِّطاقين، وأول مولود ولد في الإسلام، وأما ابن الاشعث فقد والله والى عليك الهزائم، حتى لُذْتَ بأمير المؤمنين عبد الملك فأغاثك بأهل الشام وأنت في أضيق من القرن، فأظَلّتْك رماحهم، وأنجاك كفاحهم وطالما نفض نساء امير المؤمنين المسك من غدائرهن وبعنه في الأسواق في أرزاق البعوث إليك، ولو لا ذلك لكنت أذل من النَّقَدِ، وأما ما أشرت به على أمير المؤمنين من ترك لذاته والامتناع من بلوغ أو طاره من نسائه فإن كنَّ ينفرجن عن مثل ما انفرجت به عنك أمك فما أحَقَّه بالأخذ عنك والقبول منك، وإن كنَّ ينفرجن عن مثل أمير المؤمنين فإنه غير قابل منك ولا مُصْغٍ الى نصيحتك، قاتل الله الشاعر وقد نظر إليك وسنان غزالة الحرورية بين كتفيك حيث يقول:-
أسدٌ عليَّ وفي الحروب نعامة ... فزعاء تفزع من صفير الصافر
هلا بَرزْتَ إلى غزالة في الوغى ... بل كان قلبك في جناحيْ طائر
ثم قالت لجواريها أخرجنَهُ عني، فدخل الى الوليد من فوره، فقال له: يا أبا محمد ما كنت فيه؟ فقال: والله يا أمير المؤمنين ما سكتتْ حتى كان