فما رأيت أحدًا من أولاد الخلفاء واغصان هذه الشجرة المباركة أذرَب ألسنا ولا أحسن الفاظًا ولا أشد اقتدارًا على تأدية ما حفظا منهما، ودعوت لهما دعاء كثيرًا، وأمَّن الرشيد على دعائي، ثم ضمهما اليه، وجمع يده عليهما، فلم يبسطها حتى رأيت الدموع تنحدر على صدره، ثم أمرهما بالخروج، فلما خرجا أقبل علي فقال: كأنك بهما وقد حُمَّ القضاء، ونزلت مقادير السماء، وبلغ الكتاب أجله، قد تشتت كلمتهما، واختلف أمرهما، وظهر تعاديهما، ثم لم يبرح ذلك بهما حتى تفسك الدماء، وتقتل القتلى، وتهتك ستور النساء، ويتمنى كثير من الأحياء انهم في عداد الموتى، قلت: أيكون ذلك يا أمير المؤمنين لأمر رؤي في أصل مولدهما او لأثر وقع لأمير المؤمنين في مولدهما؟ فقال: لا والله إلا بأثر واجب حملته العلماء عن الأوصياء عن الأنبياء.
قال الأحمر النحوي: بعث إليَّ الرشيد لتأديب ولده محمد الأمين، فلما دخلت قال: يا احمر، ان أمير المؤمنين قد دفع إليك مهجة نفسه، وثمرة قلبه، فصير يدك عليه مبسوطة، وطاعتك عليه واجبة، فكن له بحيث وضعك أمير المؤمنين، أقرئه القرآن، وعرفه الآثار، وروه الأشعار، وعلمه السنن، وبصره مواقع الكلام وبدأه، وامنعه الضحك الا في أوقاته، وخذه بتعظيم مشايخ بني هاشم إذا دخلوا اليه، ورفع مجالس القواد إذا حضروا مجلسه، ولا تمرنَّ بك ساعة الا وأنت مغتنم فيها فائدة تفيده إياها، من غير ان تخرق به فتميت ذهنه، ولا تمعن في مسامحته فيستحلي الفراغ ويألفه، وقوِّمه ما استطعت بالقرب والملاينة، فان أباهما فعليك بالشدة والغلظة.
العماني عند الرشيد يحرضه على تجديد العهد للامين:
ويقال: ان العماني الشاعر قام بحضرة الرشيد خطيبًا فلم يزل يقرظ محمدًا ويحرضه على تجديد العهد له، فلما فرغ من كلامه قال له: أبشر يا عماني بولاية العهد له، فقال: اي