وقد كانت مصر- على ما زعم أهل الخبرة والعناية بأخبار شأن هذا العالم- يركب أرضَها ماء النيل وينبسط على بلاد الصعيد إلى أسفل الأرض، وموضع الفسطاط في وقتنا هذا، وقد كان بدء ذلك من موضع يعرف بالجنادل بين أسوان والحبشة وقد قدمنا ذكر هذا الموضع فيما سلف من هذا الكتاب، إلى أن عرض لذلك موانع من انتقال الماء وجريانه، وما ينقل من التربة بتياره من موضع إلى موضع فيصب من بعض المواضع من بلاد مصر على حسب ما وصفنا عن صاحب المنطق في عمران الأرض وخرابها فيما سلف من هذا الكتاب، فسكن الناس بلاد مصر، ولم يزل الماء ينصب عن أرضها قليلًا قليلًا حتى امتلأت أرض مصر من المدن والعمائر، وطرقوا للماء، وحَفَروا له الخلجانات، وعقدوا في وجهه المسنّاة، إلا أن ذلك خفي على ساكنيها، لأن طول الزمان أذْهَبَ معرفة أول سكناهم كيف كان ذلك، ولم نتعرض في هذا الكتاب لذكر العلة الموجبة لامتناع المطر بمصر ولا لكثير من أخبار الإسكندرية وكيفية بنائها، والأمم التي تداولتها والملوك التي سكنتها من العرب وغيرهم، لأنا قد أتينا على ذلك في الكتاب الأوسط، وسنذكر بعد هذا الموضع جملًا من أخبارها، وجوامع من كيفية بنائها، وما كان من أمر الإسكندر فيها.
قال المسعودي: وقد كان أحمد بن طولون بمصر بَلَغَه في سنة نيف وستين ومائتين أن رجلا بأعالي بلاد مصر من أرض الصعيد له ثلاثون ومائة سنة من الاقباط، ممن يشار اليه بالعلم من لدن حداثته، والنظر والاشراف على الآراء