والنحل من مذاهب المتفلسفين وغيرهم من اهل الملل، وأنه علامة بمصر وأرضها من برها وبحرها وأخبارها وأخبار ملوكها، وأنه ممن سافر في الارض، وتوسط الممالك، وشاهد الأمم من انواع البيضان والسودان، وأنه ذو معرفة بهيئات الأفلاك والنجوم وأحكامها، فبعث أحمد بن طولون برجل من قواده في أصحابه، فحمله في النيل إليه مكرما، وكان قد انفرد عن الناس في بنيان اتخذه، وسكن في أعلاه، وقد رأى الولد الرابع عشر من ولد ولده، فلما مثل بحضرة أحمد بن طولون نظر إلى رجل دلائلُ الهرم فيه بينة، وشواهد ما أتى عليه من الدهر ظاهرة، والحواسُّ سليمة والقضية قائمة، والعقل صحيح، يفهم عن مخاطبه ويحسن البيان والجواب عن نفسه، فأسكنه بعض مقاصيره، ومَهَّد له وحمل إليه لذيذ المآكل والمشارب، فأبى أن يتوطأ على شيء، وأن يتغذى إلا بغذاء كان حمله معه من كعك وغيره، وقال: هذه بِنْية قوامها بما ترون من هذا الغذاء، وهذا الملبس، فإن أنتم سُمْتُمُوها النقلة عن هذه العادة وتناول ما أوردتموه عليها من المآكل والمشارب والملابس كان ذلك سبب انحلال هذه البِنْية، وتفريق هذه الصورة، فترك على ما كان عليه، وما جرت به عادته، واحضر له احمد بن طولون من حضره من اهل الدراية وصرف همته عليه، واخلى نفسه له في ليال وأيام كثيرة، يسمع كلامه وإيراداته وجواباته فيما يسأل عنه، فكان مما سئل عنه الخبر عن بحيرة تنيس ودمياط، فقال: كانت أرضًا لم يكن بمصر مثلها استواء