وطيب تربة وثراوة، وكانت جنانًا ونخلًا وكرمًا وشجرًا ومزارع، وكانت فيها مجار على ارتفاع من الارض وقرى على قرارها، ولم ير الناس بلدًا كان أحسن من هذه الارض، ولا أحسن اتصالا من جنانها وكرومها، ولم يكن بمصر كورة يقال إنها تشبهها إلا الفيوم، وكانت أكثر خيرًا من الفيوم وأخصب وأكثر فاكهة ورياحين من الأصناف الغريبة، وكان الماء منحدرًا إليها لا ينقطع عنها صيفًا ولا شتاء، يسقون منه جنانهم إذا شاءوا، وكذلك زروعهم، وسائره يصب الى البحر من سائر خُلْجَانه، ومن الموضع المعروف بالأشتوم، وقد كان بين البحر وبين هذه الأرض نحو مسيرة يوم، وكان فيما بين العريش وجزيرة قبرس طريق مسلوكة الى قبرس تسلكه الدواب يَبَسًا، ولم يكن فيما بين العريش وجزيرة قبرس إلا مخاضة، وجزيرة قبرس اليوم بينها وبين العريش في البحر سير طويل، وكذلك فيما بينها وبين أرض الروم، وقد كان بين الأندلس وبين الموضع الذي يسمى الخضراء- وهو قريب من فاس المغرب وطنجة- قنطرة مبنية بالحجارة والطوب تمر عليها الإبل والدواب من ساحل المغرب من بلاد الأندلس الى المغرب، وماء البحر تحت تلك القنطرة متقطع خلجانات صغارًا تجري تحت قناطرها وما عقد من الطاقات تحتها على صخور صُمّ، وقد عقد من كل حجر الى حجر طاق، وهو مبدأ بحر الروم الآخذ من أوقيانوس، وهو البحر المحيط الأكبر، فلم يزل البحر يزيد ماؤه ويعلو أرضًا فأرضًا في طول ممر السنين، يرى زيادته أهل كل زمان، ويتبينه أهل كل عصر،