فأنشده، فقال: يا أبا المستهل، إن لي ضيعة قد أعطيت فيها أربعة آلاف دينار، وهذا كتابها، وقد أشهدت لك بذلك شهودًا وناوله إياه، فقال: بأبي أنت وأمي، إني كنت أقول الشعر في غيركم أريد بذلك الدنيا والمال، ولا والله ما قلت فيكم شيئًا إلا للَّه، وما كنت لآخذَ على شيء جعلته للَّه مالا ولا ثمنًا، فألح عبد الله عليه، وأبى من اعفائه، فأخذ الكميت الكتاب ومضى، فمكث أيامًا، ثم جاء الى عبد الله فقال: بأبي أنت وأمي يا ابن رسول الله، إن لي حاجة، قال: وما هي؟ وكل حاجة لك مقضية، قال: كائنة ما كانت؟ قال: نعم، قال: هذا الكتاب تقبله وترتجع الضيعة، ووضع الكتاب بين يديه، فقبله عبد الله.
ونهض عبد الله بن معاوية بن عبد الله ابن جعفر بن أبي طالب، فأخذ ثوبًا جلدًا فدفعه الى أربعة من غلمانه، ثم جعل يدخل دور بني هاشم، ويقول: يا بني هاشم، هذا الكميت قال فيكم الشعر حين صَمَتَ الناس عن فضلكم، وعرَّض دمَه لبني أمية، فأثيبوه بما قدرتم، فيطرح الرجل في الثوب ما قدر عليه من دنانير ودراهم، وأعلم النساء بذلك، فكانت المرأة تبعث ما أمكنها، حتى إنها لتخلع الحلي عن جسدها، فاجتمع من الدنانير والدراهم ما قيمته مائة الف درهم، فجاء بها الى الكميت، فقال: يا أبا المستهل، أتيناك بجهد المُقِلِّ، ونحن في دولة عدونا، وقد جمعنا لك هذا المال وفيه حلي النساء كما ترى، فاستعن به على دهرك، فقال: بأبي أنت وأمي، قد أكثرتم وأطيبتم، وما أردت بمدحي إياكم إلا الله ورسوله، ولم أك لآخذ لذلك ثمنًا من الدنيا، فأردده إلى أهله، فجهد به عبد الله أن يقبله بكل حيلة، فأبي، فقال: إن أبيت أن تقبل فإني رأيت أن تقول شيئًا تغضب به بين الناس، لعلَّ فتنةً تحدث فيخرج من بين أصابعها بعض ما تحب، فابتدأ الكميت وقال قصيدته التي