جعل أهلها يهتفون بهم، ويتوعدونهم، ويذكرون قتلاهم بالحَرَّة، فلما أكثروا من ذلك وخافوا الفتنة وهَيْجَها صعد روح بن زنباع الجذامي على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان في ذلك الجيش، فقال: يا أهل المدينة، ما هذا الإيعاد الذي توعدوننا؟ إنا والله ما دعوناكم إلى كلب لمبايعة رجل منهم، ولا إلى رجل من بَلْقَين، ولا إلى رجل من لخم أو جُذَام، لا غيرهم من العرب والموالي، ولكن دعوناكم إلى هذا الحي من قريش، يعني بني أُمية، ثم إلى طاعة يزيد بن معاوية، وعلى طاعته قاتلناكم، فإيانا توعدون؟ أما والله إنا لأبناء الطعن والطاعون، وفضلات الموت والمنون، فما شئتم، ومضى القوم إلى الشام.
وحمل إلى ابن الزبير من صنعاء الفسيفساء التي كان بناها أبرهة الحبشي في كنيسته التي اتخذها هنا لك، ومعها ثلاث أساطين من رخام فيها وشي منقوش قد حُشي النقش السندروس وأنواع الألوان من الأصباغ، فمن رآه ظنه ذهبًا، وشرع ابن الزبير في بناء الكعبة، وشهد عنده سبعون شيخًا من قريش أن قريشًا حين بنت الكعبة عجزت نفقتهم فنقصوا من سَعَة البيت سبعة أذرع من أساس إبراهيم الخليل الذي أسسه هو وإسماعيل عليهما السلام، فبناه ابن الزبير وزاد فيه الأذرع المذكورة، وجعل فيه الفسيفساء والأساطين، وجعل له بابين: بابا يدخل منه، وبابا يخرج منه، فلم يزل البيت على ذلك حتى قتل الحجاج عبد الله ابن الزبير، وكتب إلى عبد الملك بن مروان يعلمه بما زاده ابن الزبير في البيت، فأمره عبد الملك بهدمه، ورده إلى ما كان عليه آنفًا من بناء قريش وعصر الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن يجعل له بابا واحدًا، ففعل الحجاج ذلك.
واستوثق الأمر لابن الزبير، وأخذت له البيعة بالشام، وخطب له على سائر منابر الإسلام إلا منبر طبرية من بلاد الأردن، فإن حسان بن مالك