وأحسن ما قيل في هذا المعنى قول إبراهيم بن العباس:-
إن الزمان وما ترَيْنَ بمفْرقي ... صَرَفَ الغواية فانصرفت كريما
وضجرت إلا من لقاء محدث ... حسن الحديث يزيدني تعليما
وقد ذكر بعض المحدثين من أهل الأدب أن من الأدب عَدَمَ إطالة الحديث من النديم، وأن أحلى الحديث وأحسنه موقعًا موقعًا ان تجتنب منه الأحاديث الطِّوَال ذات المعاني المغلغلة والألفاظ الحشوية التي ينقضي باقتصاصها زمان المجلس، وتتعلق بها النفوس، وتحتسى على أواخرها الكؤوس، فإن ذلك بمجالس القُصَّاص، اشبه منه بمجالس الخواص.
وقد ذكر هذا المعنى فأجاد فيه عبد الله بن المعتز باللَّه، ووصف ذلك من اصحاب الشراب على المعاقرة، فقال:-
بين أقْدَاحهم حديثٌ قصير ... هو سحرٌ، وما عداه كلام
وكأن السُّقاةَ بين الندامى ... ألِفَاتٌ بين السطور قيام
وهذه طريقة من ذهب في هذا المعنى الى استماع الملح.
وكان أول من وقع عليه اسم الوزارة في دولة بني العباس ابو سَلمة حفص بن سليمان الخلَّال الهمداني، مولى لسبيع، وكان في نفس أبي العباس منه شيء، لأنه كان حاول في رد الأمر عنهم الى غيرهم، فكتب أبو مسلم الى السفاح يشير عليه بقتله، ويقول له: قد أحل الله لك دمه، لأنه قد نكث وغير وبدل، فقال السفاح: ما كنت لأفتتح دولتي بقتل رجل من شيعتي، لا سيما مثل أبي سلمة، وهو صاحب هذه الدعوة، وقد عرض نفسه، وبذل مهجته، وانفق ماله، وناصح إمامه، وجاهد عدوه، وكلمه ابو جعفر اخوه وداود بن علي عمه في ذلك، وقد كان ابو مسلم كتب إليهما يسألهما ان يشيرا على السفاح بقتله. فقال ابو العباس:
ما كنت لأفسد كثير إحسانه، وعظيم بلائه وصالح أيامه بزلَّةٍ كانت منه،