أيهما كان ليت شعري ... أجَلَّ في الصدر والنفوس
أصاحب المرهف المحلى ... أم ذو الوشاحين والشموس
وفي هذه السنة- وهي سنة ثلاث وعشرين ومائتين- خرج توفيل ملك الروم في عساكره ومعه ملوك برجان والبرغر والصقالبة وغيرهم ممن جاورهم من ملوك الأمم حتى نزل على مدينة زِبَطْرَة من الثغر الخزري، فافتتحها بالسيف، وقتل الصغير والكبير وسبى وأغار على بلاد ملطية، فضج الناس في الأمصار، واستغاثوا في المساجد والديار، فدخل إبراهيم بن المهدي على المعتصم، فأنشده قائمًا قصيدةً طويلةً يذكر فيها ما نزل بمن وصفنا ويحضه على الانتصار ويحثه على الجهاد، فمنها:-
يا غارة الله قد عاينت فانتهكي ... هتك النساء وما منهن يرتكب
هَبِ الرجال على أجرامها قتلت ... ما بال أطفالها بالذبح تنتهب
وإبراهيم بن المهدي أول من قال في شعره «يا غارَةَ الله» .
فخرج المعتصم من فَوْره نافرًا عليه دُرَّاعَةٌ من الصوف بيضاء، وقد تعمم بعمامة الغزاة، فعسكر في غربي دجلة، وذلك يوم الاثنين، لليلتين خلتا من جمادى الأول، من سنة ثلاث وعشرين ومائتين، ونصبت الأعلام على الجسر، ونودي في الأمصار بالنفير والسير مع أمير المؤمنين، فسارت إليه العساكر والمطوعة من سائر الإسلام، وجعل على مقدمته أشناس التركي، ويتلوه محمد بن إبراهيم، وعلى ميمنته إيتاخ التركي، وعلى ميسرته جعفر بن دينار الخياط وعلى ساقَتِهِ بُغا الكبير ويتلوه دينار بن عبد الله وعلى القلب عجيف، وسار المعتصم من الثغور الشامية، ودخل من درب السلامة، ودخل الأفْشِينُ من درب الحدث، ودخل الناس من سائر الدروب، فلم يكن يحصي الناس العدد، ولا يضبطون كثرة، فمن مكثر ومقلل، فالمكثر