وسأل قائد من قواد خراسان طاهرًا ان يجعل له الحرب في يومها له فيه، ففعل طاهر له ذلك، فخرج القائد وقد حقرهم، وقال: ما يبلغ من كيد هؤلاء، ولا سلاح معهم، مع ذوي البأس والنجدة والسلاح والعدة؟ فبصر به بعض العراة وقد راماه مدة طويلة حتى فنيت سهام القائد، وظن ان العريان فنيت حجارته، فرماه بحجر بقيت في المخلاة، وقد حمل عليه القائد، فما اخطأ عينه، وثناه بحجر آخر، فكاد يصرع القائد عن فرسه، ووقعت البيضة عن رأسه، فكرَّ راجعًا وهو يقول: ليس هؤلاء بناس، هؤلاء شياطين، ففي ذلك يقول أبو يعقوب الخريمي:
الكرخ اسواقه معطلة ... يستن عيّارها وعابرها
خرَّجَت هذه الحروب رجالا ... لا لقحطان، لا، ولا لنزار
معشر في جواشن الصوف يغدو ... ن إلى الحرب كالليوث الضواري
ليس يدرون ما الفرار إذا ما ال ... أبطال عاذوا من الفنا بالفرار
واحدٌ منهمُ يشدُّ على أل ... فين عريان ما له من إزار
ويقول الفتى إذا طعن الطع ... نة: خُذْها من فتى العيار
الوقائع الحاسمة:
واشتد القتال في كل يوم، وصبر الفريقان جميعًا، وصار حامية المخلوع وجنده العراة أصحاب خوذ الخوص ودرق البواري، وضايق طاهر القوم، وأقبل يقتطع من بغداد الشارع بعد الشارع، ويصير في حيزه أهل تلك الناحية معاونين له في حربه، وأقبل الهدم يكثر فيما ليس من حيزه، ثم جعل يحفر الخنادق بينه وبين أصحاب المخلوع في مواضع الدور والمنازل والقصور، وأصحاب طاهر في قوة وإقبال، وأصحاب المخلوع في نقص وإدبار، وأصحاب طاهر يهدمون، وأصحاب المخلوع يأخذون بعض