ويا ليلة الوصل لا تنفدي ... كما ليلة الهجر لا تنفد
فقلت: للَّه أبوك!! ورددته معي حتى لقيت ابن أبي دؤاد وحدثته بخبره فأوصله الى الواثق، فأمر له بألف دينار، وأخذ له من سائر الكتاب وأهل الدولة ما أغناه به، وأغنى عقبه بعده.
وهذا الخبر فمخرجه عن أبي تمام، فإن كان صادقًا فيما قال، ولا أراه، فقد أحسن الأعرابي في الوصف، وإن كان أبو تمام هو الذي صنعه وعَزاه إلى هذا الأعرابي فقد قصر في نظمه، إذ كانت منزلته اكبر من هذا.
وكانت وفاة أبي تمام بالموصل سنة ثمان وعشرين ومائتين، وكان خليعًا ماجنًا في بعض أحواله، وربما أداه ذلك الى ترك موجبات فرضه، تماجنًا لا اعتقادًا.
وحدث محمد بن يزيد المبرد، عن الحسن بن رجاء، قال: صار إليَّ أبو تمام وأنا بفارس، فأقام عندي مقامًا طويلًا، ونمي إليَّ من غير وجه أنه لا يصلي، فوكلت به من يراعيه ويتفقده في أوقات الصلاة، فوجدت الأمر على ما اتصل بي عنه، فعاتبته على فعله ذلك، فكان من جوابه ان قال: أتراني أنشط للشخوص إليك من مدينة السلام واتجشم هذه الطرقات الشاقة وأكسل عن ركعات لا مئونة عليَّ فيها، لو كنت أعلم أن لمن صلاها ثوابًا أو على من تركها عقابًا، قال: فهممت والله بقتله، ثم تخوفت أن يصرف الأمر الى غير جهته، وهو القائل:-
وأحق الأنام أن يَقضِيَ الدَّينَ ... امرؤ كان لإله غريما
وهذا قول مباين لهذا الفعل، والناس في أبي تمام في طرفي نقيض: متعصب له يعطيه أكثر من حقه، ويتجاوز به في الوصف قدره، ويرى أن شعره فوق كل شعر، أو منحرف له معاند، فهو ينفي عنه حسنه، ويعيب مختاره، ويستقبح المعاني الظريفة التي سبق إليها وتفرد بها.