ولم يزل ولد قحطان في أطيب عيش إلى أن هلك سبأ، وكان القوم بعد مضي سبأ تداولتهم الأعصار قرنًا بعد قرن، إلى أن أرسل الله عليهم سيل العرم وذلك أن الرياسة انتهت فيهم إلى عمرو بن عمرو مزيقياء- وهو عمرو بن عامر بن ماء السماء بن حارثة الغطريف بن ثعلبة بن إمرئ القيس بن مازن بن الأزد بن الغوث بن كهلان بن سبأ وذلك ببلاد مازن من أرض اليمن، وهي بلاد سبأ التي ذكر الله في القرآن، أنه أرسل على أهلها سيل العرم، وهو السد، وكان فرسخًا في فرسخ، بناه لقمان الأكبر العادي- وهو لقمان بن عاد ابن عاد - وقد ذكرنا خبره وخبر غيره ممن كان عمَّر منهم عُمر النسور، وهذا السد هو الذي كان يردُّ عنهم السيل فيما سلف من الدهر إذا حان أن يغشى أموالهم، فمزقهم الله كل ممزق، وباعد بين أسفارهم، والناس في قصة هلكهم يختلفون، وفي سياقة أخبارهم يتباينون.
وصف بلاد سبأ:
وذكر أصحاب التاريخ القديم أن أرض سبأ كانت من أخصب أرض اليمن، وأثراها، وأغدقها، وأكثرها جنانًا وغيطانًا، وأفسحها مُروجًا، مع بنيان حسن وشجر مصفوف، ومساكب للماء متكاثفة، وأنهار وأزهار متفرقة، وكانت مسيرة أكثر من شهر للراكب المجدِّ على هذه الحالة، وفي العرض مثل ذلك، وأن الراكب والمار كان يسير في تلك الجنان من أولها الى أن ينتهي