وفيهم خطباء بلغتهم، يقف الرجل الزاهد منهم فيخطب على الخلق الكثير منهم، ويرغبهم في القرب من بارئهم، ويبعثهم على طاعته، ويرهبهم من عقابه وصولته، ويذكرهم من مضى من ملوكهم وأسلافهم، وليس لهم شريعة يرجعون إليها، بل رسوم لملوكهم، وانواع من السياسات يسوسون بها رعيتهم، وأكلهم الموز، وهو ببلادهم كثير، وكذلك بأرض الهند، والغالب على أقوات الزنج الذرة، ونبت يقال له الكلاري يقلع من الارض: كالكمأة والراسن، ومنه كثير ببلاد عدن وما اتصل بها من أرض اليمن، ويشبه هذا الكلاري القلقاس الذي يكون بالشام ومصر، ومن غذائهم أيضًا العسل واللحم، ومن هَويَ منهم شيئًا من نبات أو حيوان أو جماد يجده، وجزائرهم في البحر لا تحصى كثرة، وفيها النارجيل يعم أكله سائر الزنج، ومن بعض تلك الجزائر جزيرة بينها وبين ساحل الزنج نحو من يوم أو يومين، فيها خلائق من المسلمين يتوارثها ملوك من المسلمين، يقال لها قنبلو، على حسب ما ذكرنا من أمرها في هذا الكتاب.
وأما النوبة فافترقت فرقتين: فرقة في شرق النيل وغربيه، وأناخت على شطَّيه، فاتصلت ديارها بديار القبط من أرض مصر والصعيد من بلاد أسوان وغيرها، واتسعت مساكن النوبة على شاطئ النيل مصعدة، ولحقوا بقريب من أعاليه، وبنوا دار مملكة، وهي مدينة عظيمة تدعى دنقلة، والفريق الآخر من النوبة يقال لهم علوة، وبنوا مدينة عظيمة وسموها سرية.
قال المسعودي: وانتهيت في تصنيفي الى هذا الموضع من كتابنا هذا في شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة، وكنت