وقد حكي عن حكيم من خواقين الترك- وهم الملوك المنقادة إلى ملكهم جميع ملوك الترك- أنه قال: إن بُزاة أرضنا إذا أسقطت أنفس فراخها من الوعاء الى الفضاء، سمت في آخر الجو الى الهواء البارد الكثيف، فأنزلت دواب تسكن هناك فتغذيها بها، فلا تلبث أن تقوى وتنهض لاسراع الغذاء فيها، وأنهم ربما وجدوا في أو كارها من تلك الدواب أشلاء.
وقد قال جالينوس: إن الهواء حار رطب، والبرد يعرض فيه لقوة الرياح المرتفعة ولا يخلو الجو من نشاء فيه وساكن.
وعن بليناس أنه قال: واجب إذا كان لهذين الأسطقصين- يعني الارض والماء- خلق وساكن أن يكون للأسطقسين الأعليين- يعني الهواء والنار- خلق وساكن.
ووجدت في بعض أخبار هرون الرشيد أن الرشيد خرج ذات يوم الى الصيد ببلاد الموصل، وعلى يده باز أبيض، فاضطرب على يده، فأرسله، فلم يزل يحلق حتى غاب في الهواء، ثم طلع بعد الإياس منه، وقد علق شيئًا فهوى به يشبه الحية أو السمكة، وله ريش كأجنحة السمك، فأمر الرشيد فوضع في طست، فلما عاد من قنصه أحضر العلماء فسألهم: هل تعلمون للهواء ساكنًا؟ فقال مقاتل: يا أمير المؤمنين، روينا عن جدك عبد الله بن عباس أن الهواء معمور بأمم مختلفة الخلق، فيها سكان أقربها منا دواب تبيض في الهواء تفرخ فيه، يرفعها الهواء الغليظ ويربيها حتى تنشأ في هيئة الحيات أو السمك، لها أجنحة ليست بذات ريش تأخذها بُزاة بيض تكون بأرمينية، فأخرج الطست اليهم، فأراهم الدابة، وأجاز مقاتلا يومئذ.