الفوت، وقبل أن يؤخذ منك بالكَظْم، ويحال بينك وبين العمل، وكتب زَمَنَ سليمان بن داود، فأمر الوليد أن يكتب بالذهب على اللازورد في حائط المسجد: ربنا الله، لا نعبد إلا الله، أمر ببناء هذا المسجد، وهدم الكنيسة التي كانت فيه عبدُ الله الوليدُ أميرُ المؤمنين في ذي الحجة سنة سبع وثمانين، وهذا الكلام مكتوب بالذهب في مسجد دمشق الى وقتنا هذا، وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة.
ووفد الحجاج بن يوسف على الوليد، فوجده في بعض نُزَهه، فاستقبله، فلما رآه ترجَّلَ له، وقبَّلَ يده، وجعل يمشي وعليه درع وكنانة وقوس عربية، فقال له الوليد: اركب يا أبا محمد، فقال: دعني يا أمير المؤمنين أستكثر من الجهاد، فإن ابن الزبير وابن الاشعث شغلاني عنك، فعزم عليه الوليد حتى ركب، ودخل الوليد داره، وتفضل في غلالة، ثم أذن للحجاج فدخل عليه في حاله تلك وأطال الجلوس عنده، فبينما هو يحادثه إذ جاءت جارية فسارَّتِ الوليد ومضت، ثم عادت فسارته ثم انصرفت، فقال الوليد للحجاج: أتدري ما قالت هذه يا أبا محمد؟ قال: لا والله، قال: بعثتْهَا إليَّ ابنة عمي أم البنين بنت عبد العزيز تقول: ما مجالستك لهذا الأعرابي المتسلِّحِ في السلاح وأنت في غلالة؟ فأرسلت إليها إنه الحجاج، فراعها ذلك، وقالت: والله ما أحب أن يخلو بك وقد قتل الخلق، فقال الحجاج: يا أمير المؤمنين، دَعْ عنك مفاكهة النساء بزخرف القول، فإنما المرأة ريحانة وليست بقهرمانة، فلا تطلعهن على سرك، ولا مكايدة عدوك، ولا تُطِعْهن في غير أنفسهن، ولا تشغلهن بأكثر من زينتهن، وإياك ومشاورتهن في الأمور فإن رأيهن الى أفْنٍ، وعزمَهُنَّ الى وهْنٍ،، واكفف عليهن من أبصارهن بحُجبك، ولا تملك الواحدة منهن من الأمور ما يجاوز نفسها، ولا تطمعها أن تشفع عندك لغيرها، ولا تطل الجلوس معهن والخلوة بهن، فإن ذلك أوفر لعقلك وأبْيَنُ لفضلك، ثم نهض الحجاج فخرج.