وأهدى الهدايا العجيبة والرغائب النفيسة إلى الملوك، وأمرهم أن يجلبوا إليه ما في كل بلد من الطرائف والتحف من المآكل والمشارب والملابس وسائر الفُرُش وسائر الغروس، وأن يعرفوا سياسة كل ملك وكل أمة وشريعتها ونَهْجها الذي هي عليه، وأن يرغِّبوا الناس فيما في بلدانهم من الجواهر والطيب والآلات، فتفرقت المراكب في البلاد، ووردوا الممالك لما أمروا به، فلم يردوا على أهل مملكة إلا وأُعجبوا بهم، واستطرفوا ما أوردوه من أرضهم، فبنت الملوك المطيفة بالبحار المراكِبَ، وجهزت نحوهم السفن، وحملوا اليهم ما ليس عندهم، وكاتبوا ملكهم، وكافأوه على ما كان من هداياه اليهم، فعمرت بلاد الصين، واستقامت له الأمور، فكان عمره نحوًا من مائتي سنة، فهلك، فجزع عليه أهل مملكته، وأقاموا النياحة عليه شهرًا.
ثم فزعوا الى الأكبر من أولاده فصيروه عليهم ملكًا، فجعل جسد أبيه في تمثال من الذهب، وسلك طريقَ من كان قبله في فعلهم مقتديًا بمن مضى من آبائه، وكان اسم هذا الملك «توتال» فاستقامت له الأمور، وأحدث من السنن المحمودة ما لم يحدثه أحد ممن سلف من ملوكهم، وزعم أن الملك لا يثبت إلا بالعدل فإن العدل ميزان الرب، وإن من العدل الزيادة في الإحسان مع الزيادة في العمل وحصن وخص وشرف وتوج، ورتب الناس في رتبهم ووقفهم على طرائفهم، وخرج يرتاد موضعًا ليبني فيه هيكلًا، فوافى موضعًا عامرًا بالنبات حسن الاعتمام بالزهر، تخترقه المياه فخطّ الهيكل هناك، وجُلبت له أنواع الأحجار المختلفة الألوان، فشيد الهيكل، وجعل على علوه قبة، وجعل لها مخارج للهواء متساوية، ونصب فيها بيوتًا لمن أراد التفرد بالعبادة، فلما فرغ منها نصب في أعلاها تلك التماثيل التي فيها أجسام من سلف من آبائه،