منادمة الشعبي لعبد الملك:
ولما أفْضى الأمر إلى عبد الملك بن مروان تاقت نفسه إلى محادثة الرجال والإشراف على أخبار الناس، فلم يجد من يصلح لمنادمته غير الشَّعْبي، فلما حُمِل إليه ونادمه وحَظِيَ عنده قال له: يا شعبي لا تساعدني على ما قبح، ولا تردَّ علي الخطأ في مجلسي، ولا تكلفني جواب التشميت والتهنئة، ولا جواب السؤال والتعزية، ودع عنك كيف أصبح الأمير وكيف أمسى، وكلمني بقدر ما أستطعمك واجعل بدل المدح لي صوابَ الاستماع مني، واعلم أن صواب الاستماع أكثر من صواب القول، وإذا سمعتني أتحدث فلا يفوتنك منه شيء، وأرني فهمك في طرفك وسمعك، ولا تجهد نفسك في تَطْرِية جوابي، ولا تَسْتَدْع بذلك الزيادة في كلامي، فأن أسوأ الناس حالا من استكَدَّ الملوك بالباطل، وإن أسوأ حالا منهم من استخف بحقهم، واعلم يا شعبي أن أقل من هذا يذهب بسالف الإحسان، ويسقط حق الحرمة، فان الصمت في موضعه ربما كان أبلغ من المنطق في موضعه، وعند إصابته فرصة.
مهب الرياح:
وقال عبد الملك للشعبي يومًا: من أين تهبُّ الريح؟ قال: لا علم لي يا أمير المؤمنين قال عبد الملك: أما مهبُّ الشمال فمن مطلع بنات نَعْش إلى مطلع الشمس، وأما مهب الصبا فمن مطلع الشمس إلى مطلع