فهرس الكتاب

الصفحة 1343 من 1697

الأتراك تؤذي العوام بمدينة السلام بجريها الخيولَ في الأسواق وما ينال الضعفاء والصبيان من ذلك، فكان أهل بغداد ربما ثاروا ببعضهم فقتلوه عند صدمه لامرأةٍ أو شيخٍ كبير أو صبي أو ضرير، فعزم المعتصم على النقلة منهم، وأن ينزل في فضاء من الأرض، فنزل البراذان على أربعة فراسخ من بغداد، فلم يستطب هواءها، ولا اتسع له هواؤها، فلم يزل يتنقل ويتقرَّي المواضع والأماكن الى دجلة وغيرها حتى انتهى الى الموضع المعروف بالقاطول، فاستطاب الموضع، وكان هناك قرية يسكنها خلق من الجرامقة وناس من النَّبَطِ على النهر المعروف بالقاطول آخذًا من دجلة، فبنى هناك قصرا وبنى الناس وانتقلوا من مدينة السلام، وخلت من السكان إلا اليسير، وكان فيما قاله بعض العيَّارينَ في ذلك معيرًا للمعتصم بانتقاله عنهم:-

أيا ساكن القاطولِ بين الجرامِقةْ ... تركتَ ببغداد الكِباشَ البطارقه

ونالت من مع المعتصم شدة عظيمة لبرد الموضع وصلابة أرضه، وتأذَّوْا بالبناء، ففي ذلك يقول بعض من كان في الجيش:-

قالوا لنا إنّ بالقاطول مَشْتانا ... فنحن نأمل صنع الله مولانا

الناس يأتمرون الرأي بينهمُ ... والله في كل يوم مُحْدِثٌ شأنا

تخطيط سامرا:

ولما تأذى المعتصم بالموضع وتعذر البناء فيه خرج يتقرّى المواضع، فانتهى الى موضع سامرا، وكان هناك للنصارى دير عاديُّ، فسأل بعض أهل الدير عن اسم الموضع، فقال: يعرف بسامرا، قال له المعتصم:

وما معنى سامرا؟ قال: نجدها في الكتب السالفة والأمم الماضية أنها مدينة سام بن نوح، قال له المعتصم: ومن أي بلاد هي؟ وإلام تضاف؟ قال: من بلاد طبرهان، وإليها تضاف، فنظر المعتصم الى فضاء واسع تسافر فيه الأبصار، وهواء طيب، وأرض صحيحة، فاستمرأها واستطاب هواءها، وأقام هنا لك ثلاثا يتصيد في كل يوم، فوجد نفسه تتوقُ الى الغذاء، وتطلب الزيادة على العادة الجارية، فعلم أن ذلك لتأثير الهواء والتربة والماء، فلما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت