وقال آخرون: حق الماء أن يكون على سطح، فلما اختلفت الارض فكان منها العالي والهابط انحاز الماء الى أعماق الارض، فإذا انحصرت المياه في أعماق الارض وقُعُورها طلبت التنفس حينئذٍ، لغلظ الارض وضغطتها إياها من أسفل، فتنبثق من ذلك العيون والانهار، وربما تتولد في باطن الارضين من الهواء الكائن هناك، وأن الماء ليس بأسطقس، وإنما هو متولد من عُفونات الارض وبخارها وقالوا في ذلك كلامًا كثيرًا أعرضنا عن ذكره طلبًا للإيجاز وميلًا للاختصار، وقد بسطنا ذلك في غير هذا الكتاب من كتبنا.
وأما مبادئ الانهار الكبار، ومطارحها، ومقادير جريانها على وجه الارض كالنيل والفرات والدجلة ونهر بلخ، وهو جيحون، ومهران السند وجنجس، وهو نهر عظيم بأرض الهند، ونهر سابط وهو نهر عظيم، ونهر طنابس الذي يصب الى بحر نيطس، وغيرها مما كبر من الانهار فقد تكلم الناس في مقدار جريانها على وجه الارض.
فرأيت في جغرافيا النيل مصورًا ظاهرًا من تحت جبل القمر، ومنبعه ومبدأ ظهوره من اثنتي عشرة عينًا، فتصب تلك المياه الى بحرين بحيرتين هناك كالبطائح، ثم يجتمع الماء جاريًا فيمر برمال هناك وجبال، ويخترق أرض السودان مما يلي بلاد الزنج، فيتشعب منه خليج ينصب الى بحر الزنج وهو بحر جزيرة قنبلو، وهي جزيرة عامرة فيها قوم من المسلمين، إلا ان لغتهم زنجية:
غلبوا على هذه الجزيرة وسَبَوْا من كان فيها من الزنج، كغلبة المسلمين على جزيرة إقريطش في البحر الرومي، وذلك في مبدأ الدولة العباسية وتَقَضِّي الاموية، ومنها الى عمان في البحر نحو