كثيرة الأمطار كثيرة النبات والعشب، وأن أشجارها ذاهبة في الهواء، ومياهها عذبة ودوابها عظيمة، وهي مخصبة، لأن تلك البلاد لم يلحقها حر الشمس، ولم يلحقها يبس البرد، فأجسام أهلها عظيمة، وصورهم جميلة، واخلاقهم كريمة، فهم- في صورهم وقاماتهم واعتدال طبائعهم- يشبهون باعتدال زمان الربيع، غير أنهم اصحاب دعة لا يحتملون الشدائد والكد.
وقال أبقراط في معنى ما وصفنا وما اليه قصدنا، من بيان الأهوية وتأثيرها في الحيوان والنبات: ان الروح المطبوعة فيها هي التي تجذب الهواء إلينا، وان الرياح تقلب الحيوان من حال الى حال، وتصرفه من حر الى برد، ومن يبس الى رطوبة، ومن سرور الى حزن، وكما تغير ما في البيوت من بزر أو عسل أو فضة او شراب أو سمن فتسخنها مرة وتبردها اخرى وترطبها مرة وتيبسها أخرى، وعلة ذلك أن الشمس والكواكب تغير الهواء بحركاتها، وإذا تغير الهواء تغير بتغيره كل شيء، فمن تقدم وعرف احوال الأزمنة وتغيرها والدلائل التي فيها عرف السبب الأعظم من أسباب العلم، وتقدم في حفظ صحة الأبدان.
وقال أيضا ان الجنوب: إذا هبت اذابت الهواء وبردته، وسخنت البحار والانهار، وكل شيء فيه رطوبة، وتغير لون كل شيء وحالاته، وهي ترخي الأبدان والعصب، وتورث الكسل، وتحدث ثقلا في السماع، وغشاوة في البصر لأنها تحلل المرة، وتنزل الرطوبة الى أصل العصب الذي يكون فيه الحس.