فمكثر ومقلل، والمتفق عليه من قول الجميع تسعون ألفًا، وقال رجل من أصحاب علي لما استقروا مما يلي الشام من أبيات كتب بها الى معاوية حيث يقول:-
اثْبُتْ معاوي قد أتاك الحافل ... تسعون ألفًا كلهم مقاتل
عما قليل يضمحلّ الباطل
وسار معاوية من الشام، وقد تنوزع في مقدار من كان معه أيضًا فمكثر ومقلل، والمتفق عليه من قول الجميع خمس وثمانون ألفًا، فسبق عليًّا الى صِفِّين، وعسكر في موضع سهل أفيح اختاره قبل قدوم علي، على شريعةٍ لم يكن على الفرات في ذلك الموضع أسهل منها للوارد إلى الماء، وما عداها أخراق عالية، ومواضع إلى الماء وَعْرة، ووكل أبا الأعور السلمي بالشريعة مع أربعين ألفًا، وكان على مقدمته، وبات عليٌّ وجيشه في البر عطاشًا قد حيل بينهم وبين الورود إلى الماء فقال عمرو بن العاص لمعاوية: إن عليا لا يموت عطشًا هو وتسعون ألفًا من أهل العراق وسيوفهم على عواتقهم، ولكن دَعْهُم يشربون ونشرب، فقال معاوية: لا والله أو يموتوا عطشا كما مات عثمان، وخرج علي يدور في عسكره بالليل، فسمع قائلا وهو يقول:-
أ يمنعنا القوم ماء الفرات ... وفينا عليٌّ وفينا الهدى؟
وفينا الصلاة وفينا الصيام ... وفينا المناجون تحت الدجى
ثم مر بآخر عند راية ربيعة، وهو يقول:-
أ يمنعنا القوم ماء الفرات ... وفينا الرماح وفينا الْحجَفْ
وفينا علي له صولة ... إذا خوفوه الردى لم يخف
ونحن غداة لقينا الزبير ... وطلحة خُضْنَا غِمَارَ التلف
فما بالنا أمْسِ أسْدَ العرين ... وما بالنا اليوم شاءَ النجَفْ