وألقي في فسطاط الأشعث بن قيس رقعة فيها:-
لئن لم يُجَل الأشعثُ اليومَ كربة ... من الموت فيها للنفوس تَفَلُّتُ
فنشرب من ماء الفرات بسيفه ... فَهَبْنَا أناسًا قبلُ كانوا فموتوا
فلما قرأها حَمِيَ وأتى عليًا رضي الله عنه، فقال له: أخرج في أربعة آلاف من الخيل حتى تهجم بهم في وسط عسكر معاوية فتشرب وتستقي لأصحابك أو تموتوا عن آخركم، وأنا مُسَيّر الأشتَرَ في خيل ورجَّالة وراءك، فسار الأشعث في أربعة آلاف من الخيل وهو يقول مرتجزا:-
لأورِدَنَّ خيليَ الفراتا ... شُعْثَ النواصي أو يقال ماتا
ثم دعا عليّ الأشتَرَ فسرّحه في أربعة آلاف من الخيل والرجَّالة، فصار يؤم الأشعث وصاحب رايته وهو رجل من النَّخَع وهو يرتجز ويقول:-
يا أشتر الخيرات يا خير النَّخَعْ ... وصاحبَ النصر إذا عَمَّ الفزع
قد جَزِعَ القومُ وعُمُّوا بالفزع ... إن تَسْقِنَا اليوم فما هو بالبدع
ثم سار علي رضي الله عنه وراء الأشتر بباقي الجيش، ومضى الأشعث فيما رد وجهه أحد حتى هجم على عسكر معاوية، فأزال أبا الأعور عن الشريعة، وغَرَّقَ منهم بشرًا وخيلًا، وأورد خيله الفرات، وذلك أن الأشعث داخلته الحمية في هذا اليوم، وكان يقدم رمحه ثم يحث أصحابه فيقول: ازحموهم مقدار هذا الرمح، فيزيلوهم عن ذلك المكان، فبلغ ذلك من فعل الأشعث عليا، فقال: هذا اليوم نصرنا فيه بالحمية، وفي ذلك يقول رجل من أهل العراق:-
كشف الأشعث عنا ... كُرْبَةَ الموت عِيابا
بعد ما طارت طلاقا ... طيرةً مست لهانا
فله المنُّ علينا ... وبه دارت رحانا