وبعد، فإنه يوصل به كل كلام، ويتزين به في كل مقام، ويتجمل به في كل مشهد، ويحتاج اليه في كل محفل، ففضيلة علم الاخبار بينة على كل علم، وشرف منزلته صحيح في كل فهم، فلا يصبر على فهمه وتيقن ما فيه، وإيراده وإصداره الا انسان قد تجرد له، وفهم معناه، وذاق ثمرته، واستسفر من غرره، ونال من سروره، وقد قالت الحكماء:
الكتاب نعم الجليس، ونعم الذخر، ان شئت ألهتك نوادره، وأضحكتك بوادره، وإن شئت أشجتكَ مواعظه، وان شئت تعجبت من غرائب فوائده، وهو يجمع لك الاول والآخر والغائب والحاضر والناقص والوافر والشاهد والغائب والبادي والحاضر، والشكل وخلافه، والجنس وضده، وهو ميت ينطق عن الموتى، ويترجم عن الأحياء، وهو مؤنس يَنشَطُ بنشاطك، وينام بنومك، ولا ينطق معك الا بما تهوى، ولا نعلم جارًا أبرَّ، ولا خليطًا أنصَفَ، ولا رفيقًا اطوع، ولا معلمًا أخضع، ولا صاحبًا أظهر كفاية، وأقل خيانة، ولا أجدى نفعًا، ولا أحمد أخلاقًا، ولا أقل خِلافًا، ولا أدوم سرورًا، ولا أسكت غيبة، ولا أحسن موافاة، ولا أعجل مكافأة، ولا أخف مؤنة منه، ان نظرت اليه اطال إمتاعك، وشحذ طباعك، وأيَّد فهمك، وأكثر علمك، وتَعْرِف منه في شهر، ما لا تأخذه من افواه الرجال في دهر، ويغنيك عن كد الطلب، وعن الخضوع لمن أنت أثبت منه أصلًا، وأسمح فرعًا، وهو المعلم الذي لا يجفوك، وإن قطعت عنه المائدة، لم يقطع عنك الفائدة، وهو الذي يطيعك بالليل طاعته لك بالنهار، ويطيعك في السفر كطاعته لك في الحضر، وقد قال