أمورًا محمودة، فأولها عمران الأرض التي يحيي بها العالم، وعليها يزكو الخراج وتكثر الأموال، وتعيش البهائم، وترخص الأسعار، ويكثر الكسب، ويتسع المعاش، وكان يقول لوزيره محمد بن عبد الملك: إذا وجدت موضعًا متى أنفقت فيه عشرة دراهم جاءني بعد سنة أحد عشر درهمًا فلا تؤامرني فيه.
وكان المعتصم ذا بأس وشدة في جسمه، وشجاعة في قلبه، فذكر أحمد بن أبي دُؤاد- وكان به آنسًا- قال: لما أنكر المعتصم نفسه وقوته دخلت عليه يومًا وعنده ابن ماسويه، فقام المعتصم فقال لي: لا تبرح حتى أخرج إليه، فقلت ليحيى بن ماسويه: ويحك!! إني أرى أمير المؤمنين قد حال لونه، ونقصت قوته، وذهبت سَوْرتَه، فكيف تراه أنت؟ قال: هو والله زبرة من زبر الحديد، إلا أن في يديه فأسًا يضرب بها تلك الزبرة، فقلت: وكيف ذاك؟ قال: كان قبل ذلك إذا أكل السمك اتخذ له صباغًا من الخل والكراويا والكمون والسذاب والكرفس والخردل والجوز فأكله بذلك الصباغ، يدفع أذى السمك وأضراره بالعصب، وإذا أكل الرؤوس اتخذت له أصباغ تدفع أذاها وتلطفها، وكان في أكثر أموره يلطف غذاءه ويكثر مشورتي، فصار اليوم إذا أنكرت عليه شيئًا خالفني، وقال: آكل هذا على رغم أنف ابن ماسويه فما أقدر أن أصنع، قال: وهو خلف الستر يسمع ما نحن فيه، فقلت: ويلك يا أبا يحيى!! أدخل أصبعك في عينيه، قال: جعلت فداك، ما أقدر أرُدُّه ولا أجترئ عليه في خلاف، فلما فرغ من كلامه خرج علينا المعتصم، فقال لي: ما الذي كنت فيه مع ابن ما سويه؟ قلت: ناظرته يا أمير المؤمنين في لونك الذي أراه حائلًا، وفي قلة طعمك الذي قد هَدَّ جوارحي وأنْحَلَ جسمي، قال: فما قال لك؟ قلت: شكا أنك كنت تقبل منه ما يشير به عليك وكنت ترى في ذلك على ما يحب، وأنك الآن تخالفه، قال: فما قلت له أنت؟