ومتى لم أميز بين هاتين هلكت، فأختار العافية على التعرض للبلاء، فقال: بَلغنا عنك بَذاء، قال: يا أمير المؤمنين قد مدح الله تعالى وذم فقال: (نعم العبد إنه أواب) وقال جل ذكره: (هماز مشاء بنميم) - الآية فإن لم يكن البذاء بمنزلة العقرب يلدغ النبي والذمي فلا ضَيْرَ في ذلك، قال الشاعر:-
إذا أنا بالمعروف لم أك صادقًا ... ولم اشتم النِّكْسَ اللئيم المذمما
ففيم عَرَفتُ الخير والشر باسمه ... وشَقَّ لي الله المسامع والفما
قال: من أين أنت؟ قال من البصرة، قال: ما تقول فيها؟ قال: ماؤها أجاج، وحرها عذاب، وتطيب في الوقت الذي تطيب فيه جهنم.
وكان وزيره عبيد الله بن يحيى بن خاقان واقفًا على رأسه، قال: ما تقول في عبيد الله بن يحيى بن خاقان؟ قال: نعم العبد، منقسم بين طاعة الله تعالى وخدمتك.
ودخل ميمون بن إبراهيم صاحب ديوان البريد، فقال له: ما تقول في ميمون؟ قال: يد تسرق، واست تضرط، وهو بمنزلة يهودي قد سرق نصف خزينة، له إقدام ومعه إحكام، إحسانه تكلف، وإساءته طبيعة، فأضحكه ذلك منه، ووصله وصرفه.
وفي سنة ثلاث وثمانين ومائتين ورَدَتْ هدايا من قبل عمرو بن الليث الصفار: منها مائة دابة من مَهاري خراسان وجمازات كثيرة وصناديق كثيرة وأربعة آلاف الف درهم، وكان معها صنم من صُفْر على مثال امرأة لها أربعة أيْدٍ وعليها وشاحان من فضة مرصعان بالجوهر الأحمر والأبيض، وبين يدي هذا المثال أصنام صغار لها أيد ووجوه وعليها الحلي والجوهر، وكان هذا التمثال على عَجَل قد عمل على مقدارها تجره الجمازات، فصير بذلك اجمع الى دار المعتضد، ثم رد هذا التمثال الى مجلس الشرطة في الجانب الشرقي، فنصب للناس ثلاثة أيام ثم رد الى دار المعتضد، وذلك في