فهرس الكتاب

الصفحة 1526 من 1697

في جمادى الآخرة وكان يكنى بأبي عبيد الله، وكان قد انحدر من مدينة السلام الى البصرة في زورق فيه ثمانون نفسًا في هذه السنة فغرق الزورق، ولم يتخلص مما كان فيه إلا أبو العيناء وكان ضريرًا، تعلَّقَ بأطراف الزورق فأخرج حيًا، وتلف كل من كان معه، فبعد أن سلم ودخل البصرة مات.

وكان لأبي العيناء من اللسان وسرعة الجواب والذكاء ما لم يكن عليه أحد من نُظرائه، وله أخبار حسان وأشعار ملاح مع أبي علي البصير وغيره، وقد أتينا على ذكرها فيما سلف من كتبنا. وحضر مجلس بعض الوزراء، فتعارضوا حديث بعض البرامكة وكرمهم وما كانوا عليه من الجود، فقال الوزير لأبي العيناء، وقد كان أمعن في وصفهم وما كانوا عليه من البذل والإفضال: قد أكثرْتَ من ذكرهم ووصفك إياهم، وإنما هذا من تصنيف الوَرَّاقين وتأليف المحسنين، فقال له أبو العيناء: فلم لا يكذب الوَرَّاقون عليك أيها الوزير بالبذل والجود؟ فأمسَكَ عنه الوزير، وتعجب الناس من إقدامه عليه.

واستأذن يومًا على الوزير صاعد بن مخلد، فقال له الحاجب: الوزير مشغول فانتظر، فلما أبطأ إذنه قال للحاجب: ما صنع الوزير؟ قال: يصلِّي، قال: صدقت لكل جديد لذة، يعيره بأنه حديث عهد بالإسلام.

وقد كان أبو العيناء دخل على المتوكل في قصره المعروف بالجعفريّ، وذلك في سنة ست وأربعين ومائتين، فقال له: كيف قولك في دارنا هذه؟ فقال: إن الناس بَنوْا الدور في الدنيا، وأنت بنيت الدنيا في دارك، فاستحسن ذلك ثم قال له: كيف شربك النبيذ؟ فقال: أعجز عن قليله، وافتضح من كثيره، فقال له: دَعْ هذا عنك ونادمنا، فقال: أنا امرؤ محجوب، والمحجوب تتخطرف إشارته، ويجور قصده، وينظر منه إلى ما لا ينظر إليه، وكل من في مجلسك يخدمك، وأنا أحتاج أن أخْدَمَ، وأخرى لست آمن أن تنظر إليَّ بعين راض وقلبك غضبان أو بعين غضبان وقلبك راض،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت