أن يزوجها منه، فزوجها من رجل آخر، فقيدناه، فكان يعض شفتيه ولسانه حتى خشينا أن يقطعهما، فلما رأينا ذلك خَلَّيْنا سبيله، فمرَّ في هذه الفيافي يذهب إليه في كل يوم بطعامه فيوضع له بحيث يراه فإذا عاينه جاء فأكل، وإذا خلقت ثيابه جاءوه بثياب، فوضعت بحيث يراها، فسألتهم أن تدلُّوني عليه، فدلُّوني على فتى من الحي، وقالوا: إنه لم يزل صديقًا له، وليس يأنس بأحد سواه، فسألته أن يدلني عليه، فقال: إن كنت تريد شعره فكل شعره عندي إلى أمس وأنا ذاهب إليه غدًا، فإن كان قد ذكر شيئًا أتيتك به، قلت: أريد أن تدلني عليه، قال: إن رآك يفر منك، وأخاف أن يذهب مني فيما بعد، فيذهب شعره، فأبيت إلا أن يدلني، فقال: اطلبه في هذه الصحراء، فإذا رأيته فادْنُ منه مستأنسًا، فإنه يتهددك ويتوعدك أن يرميك بشيء في يده، فاجلس كأنك لا تنظر إليه والحَظْهُ، فإذا رأيته قد سكن فاجهد أن تروي لقيس ابن ذريح شيئًا فإنه معجب به، قال: فخرجت إليه يومي، فوجدته بعد العصر جالسًا على تل، يخط بأصبعه خطوطًا، فدنوت منه غير منقبض، ففر والله كما يفر الوحش من الإنسان، وإلى جانبه أحجار، فتناول منها واحدًا، فأقبلت حتى جلست قريبًا منه، فمكثت ساعة، وهو كأنه نافر، فلما طال جلوسي سَكَنَ، وأقبل يعبث بأصبعه، فنظرت إليه، وقلت: أحسن والله قيس بن ذريح، حيث يقول:-
وإني لمُفْن دَمْعَ عيني بالبكا ... حذارًا لما قد كان أو هو كائن
وقالوا: غدًا، أو بعد ذاك بليلة ... فراق حبيب لم يَبِنْ وهْوَ بائن
وما كنت أخشى أن تكون منيتي ... بكفي إلا أن ما حان حائن
قال: فبكى والله حتى سالت دموعه، ثم قال: أنا والله أشعر منه، حيث أقول: