فقال له رجل: والله ما أشبه الكوفة إلا بشابة صبيحة الوجه كريمة الحسب ولا مال لها، فإذا ذكرت ذكرت حاجتها، فكفَّ عنها طالبها، وما أشبه البصرة إلا بعجوز ذات عوارض موسرة، فإذا ذكرت ذكر يسارها، وذكرت عوارضها، فكفَّ عنها طالبها، فقال الأحنف: أما البصرة فإن أسفلها قصَب، وأوسطها خشَب، وأعلاها رُطب، نحن أكثر ساجًا وعاجًا وديباجًا، ونحن أكثر قندًا ونقدًا، والله ما آتي البصرة إلا طائعًا، ولا أخرج منها إلا كارهًا، قال: فقام إليه شاب من بكر بن وائل فقال: يا أبا بحر، بِمَ بلغت في الناس ما بلغت؟ فو الله ما أنت بأجملهم، ولا بأشرفهم ولا بأشجعهم، قال: يا ابن أخي، بخلاف ما أنت فيه، قال: وما ذاك؟ قال: بتركي ما لا يَعْنيني كما عناك من أمري ما لا ينبغي أن يعنيك.
قال المسعودي: ولابن دأب مع الهادي أخبار حِسَان يطول ذكرها، ويتسع علينا شرحها، ولا يتأتى لنا إيراد ذلك في هذا الكتاب، لاشتراطنا فيه على أنفسنا الاختصار والايجاز بحذف الأسانيد وترك إعادة الألفاظ.
ولأهل البصرة وأهل الكوفة ومن شرب من دجلة مناظرات كثيرة في مياههم ومنافعها ومضارها. منها ما عاب به أهل الكوفة أهل البصرة، فقالوا: ماؤكم كَدِر زَهِك زَفِر، فقال لهم أهل البصرة: من أين يأتي ماءنا الكَدَرُ وماء البحر صافٍ وماء البطيحة صافٍ، وهما يمتزجان وسط بلادنا؟! قال الكوفيون: من طباع الماء العذب الصافي إذا خالط ماء البحر صار جميعًا إلى الكدورة، وقد يُرَوِّق الإنسان ماء أربعين ليلة، فإن جعل منه شيئًا في قارورة أزْبَدَ وتكدَّر.
وقد افتخر أهل الكوفة بمائهم- الذي هو الفرات- على ماء دجلة، وهو ماء البصرة! فقالوا: ماؤنا أعذب المياه وأغذاها، وهو أصح للأجسام من ماء دجلة، والفرات خير من النيل، فأما دجلة فإن ماءها يقطع شهوة