بقايا ذلك لفي صدري، قال: ويلك لمن؟ قال: أيها الأمير، كنت آلف الرصافة في أيام المعتصم، وكانت لقيْنةَ أم ولد الرشيد جاريةٌ تخرج في حوائجها وتقوم في أمرها، وتلقي الناس عنها، وكانت قينة تتولى أمر القصر إذ ذاك، وكانت الجارية تمر بي فأحتشمها وأعاينها، ثم راسلتها فطردَت رسولي وهددتني، وكنت أقعد على طريقها لأكلها، فإذا رأتني ضحكت وغمزت الجواري بالعَبث بي والهزْء، ثم فارقتها وفي قلبي منها نار لا تخمد، وغليل لا يبرد، ووجد يتجدد، فقال له المنتصر: فهل لك أن أحضرها وأزوجكها إن كانت حرة أو أشتريها إن كانت أمة؟ فقال: والله أيها الأمير إن بي الى ذلك أعظم الفاقة وأشدَّ الحاجة، قال: فدعا المنتصر بأحمد بن الخصيب، وسأله أن يوجه له في ذلك غلامًا من غلمانه منفردا، ويكتب معه كتابًا مؤكدًا الى ابراهيم بن إسحاق وصالح الخادم المتولي لأمر الحرم بمدينة السلام، فمضى الرسول وقد كانت قينة أعتقتها وخرجت من حد الجواري الى حد النساء البوالغ، فحملها الى المنتصر، فلما حضرت نظرتُ إليها، فإذا عجوز قد حدبت وعنست وبها بقية من الجمال، فقال لها: أتحبين أن أزوجك؟ قالت: إنما أنا أمتك أيها الأمير ومولاتك، فافعل ما بدا لك، فأحضر صالحًا وأملكه بها وأمهرها، ثم مزح به، فأحضر جوزا مرصصا وفركا مخلقا، فنثره عليه، وأقامت مع صالح مدة طويلة، ثم ملَّها ففارقها، وقال يعقوب التمار في ذلك:-
منح الله أبا الفضل ... حياة لا تنغص
وتولاه، فقد با ... لغ في الحب وأخلص
عاشقًا كان على التز ... ويج للعقد تحرَّص
من هوى من شعرُها يخضب ... بالحنا المعفص
فتراه عند ما ينصُلُ ... كالبرد المحرص