صائف في وقت الظهر لا أدري أين أتوجه، فصرت الى زقاق ولا منفذ له، فرأيت أسوَدَ على باب دار، فصرت اليه وقلت له: أعندك موضع أقيم فيه ساعة من نهار؟ فقال: نعم، وفتح بابه، فدخلت الى بيت فيه حصير نظيف ووسادة جلد نظيفة، ثم تركني وأغلق الباب في وجهي ومضى، فتوهمته قد سمع الجعالة في، وأنه خرج ليدل عليّ، فبينما انا كذلك إذ اقبل ومعه طبق عليه كل ما يحتاج اليه من خبز ولحم، وقدر جديد وآلتها وجرَّة نظيفة وكيزان نظاف، كل ذلك جديد، وقال لي: جعلني الله فداك، اني حجام، واني اعلم انك تتقذر ما اتولاه، فشأنك بما لم تقع عليه يدي، وكانت بي حاجة شديدة الى الطعام، فقمت فطبخت لنفسي قدرًا ما اذكر اني اكلت أطيَبَ منها، ثم قال لي بعد ذلك: هل لك في النبيذ؟ فقلت: ما اكره ذلك، ففعل مثل فعله في الطعام، وأتاني بكل شيء نظيف لم يَمسَّ شيئًا منه بيده، ثم قال لي بعد ذلك: أتأذن لي جعلني الله فداك ان اقعد ناحية منك فآتي بنبيذ فأشرب منه سرورًا بك؟ قال: فقلت: افعل ذلك، فلما شرب ثلاثًا دخل خزانة له وأخرج منها عودًا وقال: يا سيدي، ليس من قدري ان أسألك ان تغني، ولكن قد وجبت عليك حرمتي، فإن رأيت ان تشرف عبدك بأن تغنيه، قال: فقلت: وكيف توهمت عليَّ اني احسن الغناء؟ فقال متعجبًا: يا سبحان الله!! أنت اشهر من ان لا اعرفك، أنت ابراهيم بن المهدي الذي جعل المأمون لمن دل عليك مائة الف درهم، قال: فلما قال لي ذلك تناولت العود، فلما هممت بالغناء قال: يا سيدي أتجعل ما تغنيه ما اقترحه عليك؟ قلت: هات، فاقترح ثلاثة أصوات اتقدم فيها كل من غنى، قلت: هبك عرفتني، هذه الأصوات من اين لك بمعرفتها؟ قال: انا اخدم إسحاق بن ابراهيم الموصلي، وكثير ما كنت اسمعه يذكر المحسنين وما يجيدونه، ولم أتوهم اني اسمع ذلك منك في منزلي، فغنيته، وأنست به،