قال إبراهيم: فاندفع فغناه، فأمسكنا جميعًا مُتعجبين من جراءة مِثله على الغناء بحضرتنا في صوت قد قصرنا فيه عن مراد الخليفة، قال إبراهيم: فلما فرغ منه سمعت الرشيد يقول وقد رفع صوته يا مسكين أعده. فأعاده بقوة ونشاط واجتماع قلب، فأحسن فيه كل الإحسان، فقال الرشيد: أحسنت والله يا مسكين وأجملت، ورفعت الستارة بيننا وبينه. قال مسكين: يا أمير المؤمنين إن لهذا الصوت خبرًا عجيبًا، قال: وما هو؟ قال: كنت عبدًا خيَّاطًا لبعض آل الزبير، وكان لمولاي عليَّ ضريبة أدفع إليه كل يوم درهمين فإذا دفعت ضريبتي تصرفت في حوائجي، وكنت مولعًا بالغناء محبًا له فخِطْتُ يومًا قميصًا لبعض الطالبيِّين، فدفع إليّ درهمين وتغديت عنده وسقاني أقداحًا، فخرجت وأنا جذلان، فلقيتني سوداء على رقبتها جَرَّة وهي تغني هذا الصوت، فأذهلني عن كل مهم، وأنساني كل حاجة، فقلت: بصاحب هذا القبر والمنبر إلا ألقيت على هذا الصوت، فقالت: وحق صاحب هذا القبر والمنبر لا ألقيته عليك إلا بدرهمين، فأخرجت والله يا أمير المؤمنين الدرهمين فدفعتهما إليها، فأنزلت الجرة عن عاتقها واندفعت، فما زالت تردده حتى كأنه مكتوب في صدري، ثم انصرفتُ الى مولاي، فقال لي: هلمَّ خراجك، فقلت: كان وكان، فقال: يا ابن اللخناء، ألم أتقدم إليك أني لا أقبل لك عذرًا في حبة تكسرها؟ وبَطَحَني وضربني خمسين جريدة بأشد ضرب يكون وحلق لحيتي ورأسي، فبتُّ يا أمير المؤمنين من أسوأ خلق الله حالًا، وأنسيت الصوت مما نالني، فلما أصبحت غدوت نحو الموضع الذي لقيتها فيه، وبقيت متحيرًا لا أعرف اسمها ولا منزلها، إذ نظرت بها مقبلة، فأنسيت كل ما نالني وملت إليها، فقالت: أنسيت الصوت ورَبِّ الكعبة، فقلت: الأمر كما ذكرت، وعرفتها ما مر بي من حلق الرأس واللحية، فقالت: وحق القبر ومن فيه لا فعلت إلا بدرهمين، فأخرجت جلمي ورهنته على درهمين، فدفعتهما إليها، فأنزلت الجرة عن