صدوقا عالما فصيحًا جوادًا عفيفًا، وكان زاهدًا عابدا ناسكا، وكان- مع ما وصفنا من زهده وعبادته- ضاحك السن، ظريف الطبع، سلس القياد ولم يكن معه تجبر ولا تكبر، وربما مزح مع أصدقائه بما يستحسن منه، ويستقبح من غيره، وكان شيخ البغداديين في وقته، وظريفهم، وناسكهم، وزاهدهم، ومسندهم في الحديث، وكان يتفقه لأهل العراق، وكان له مجلس يوم الجمعة في المسجد الجامع الغربي.
وأخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن جابر قال: كنت أجلس يوم الجمعة في حلقة إبراهيم الحربي، وكان يجلس إلينا غلامان في نهاية الحسن والجمال من الصورة والبزة من أبناء التجار من الكرخيين، وبزتهما واحدة، كأنهما روحان في جسد، إن قاما قاما معًا، وإن قعدا قعدا معا، فلما كان في بعض الجمع حضر أحدهما وقد بان الاصفرار بوجهه والانكسار في عينيه، فتوسمت أن غيبة الآخر لعلة وقد لحق الحاضر من أجل ذلك الانكسار، فلما كان الجمعة الثانية حضر الغائب ولم يحضر الذي كان في الجمعة الأولى منهما، وإذا الصفرة والانكسار بين في لونه ونشاطه، فعلمت أن ذلك للفراق الواقع بينهما، ولأجل الألفة الجامعة لهما، فلم يزالا يتسابقان في كل جمعة إلى الحلقة فأيهما سبق صاحبه إلى الحلقة لم يجلس الآخر، فصح عندي ما كان تقدم في نفسي جواز كونه، فلما كان في بعض الجمع حضر أحدهما فجلس إلينا، وجاء الآخر فأشرف على الحلقة، فإذا صاحبه قد سبق، وإذا المسبوق المطلع إلى الحلقة قد خنقته العَبرة، فتبينت ذلك في حماليق عينيه، وإذا في يسراه رقاع صغار مكتوبة فقبض بيمينه رقعة من تلك الرقاع وحذف بها في وسط الحلقة، وانساب بين الناس مارًا مستحيًا، وأنا أرمقه ببصري، وكذلك جماعة ممن كان جالسًا في الحلقة وكان الى جانبي على اليمين أبو عبد الله علي ابن الحسين بن حوثرة، وذلك في عنفوان الشباب وأوان الحداثة، فوقعت الرقعة بين يدي إبراهيم الحربي. فقبض عليها ونَشَرها وقرأها، وكان من شأنه