إن هذا المال للسلطان والجند، ومتى لم تأت به أو بالذي نقبه وأخذ المال ألزمك أمير المؤمنين غرمه، فجدَّ في طلبه، وطلب اللص الذي جسَر على هذا الفعل، فصار الى مجلسه، وأحضر التوابين والشرط، والتوابون: هم شيوخ أنواع اللصوص الذين قد كبروا وتابوا، فإذا جرت حادثة علموا من فِعل من هي، فدلوا عليه، وربما يتقاسمون اللصوص ما سرقوه، فتقدم اليهم في الطلب، وتهددهم، وأوعدهم، وطالبهم، فتفرق القوم في الدروب والاسواق والغرف والمواخير ودكاكين الرواسين ودور القمار، فما لبثوا أن أحضروا رجلًا نحيفًا ضعيف الجسم رث الكسوة هين الحالة، فقالوا: يا سيدي، هذا صاحب الفعلة وهو غريب من غير هذا البلد، وأطبق القوم كلهم على أنه صاحب النقب ولص المال، فأقبل عليه مؤنس العجلي فقال له: ويلك!! من كان معك؟ ومن أعانك؟ وأين أصحابك؟ ما أظنك تقدر على عشر بدر وحدك في ليلة، ما كنتم إلا عشرة وأقل ذلك خمسة، فأقر لي بالمال إن كان مجتمعًا، وعلى أصحابك إن كان المال قد قسم، فما زاده على الإنكار شيئًا، فأقبل يترفق به ويَعِدُه أن يثيبه ويرزقه ويعظم جائزته، ويعده بكل جميل على رده والإقرار به، ويتوعَّدُه بكل مكروه وهو على جحوده وإنكاره، فلما غاظه ذلك وأنكره ويئس من إقراره أخذ في عقوبته ومساءلته، فضربه بالسوط والقلوس والمقارع والدرة على ظهره وبطنه وقفاه ورأسه وأسفل رجليه وكعابه وعَضَله، حتى لم يكن للضرب فيه موضع، وبلغ به ذلك الى حالة لا يعقل فيها ولا ينطق، فلم يقر بشيء، فبلغ ذلك المعتضد، فأحضر صاحب الجيش، فقال له: ما صنعت في المال؟ فأخبره الخبر، فقال له: ويلك!! تأخذ لصًا قد سرق من بيت المال عشر بِدَر فتبلغ به الموت والتلف حتى يهلك الرجل ويضيع المال، فأين حيل الرجال؟