وذكر اليحصبي عن الخليل بن إبراهيم السبيعي، قال: سمعت ابن الجمحي يقول: قال لي العلاء ابن بنت ذي الكلاع: إنه كان مؤانسًا لسليمان ابن عبد الملك لا يكاد يفارقه، وكان أمر المسَوِّدة بخراسان والمشرق قد بان، ودنا من الجبل، وقرب من العراق، واشتد إرجافُ الناس، ونطق العدو بما أحب في بني أمية وأوليائهم، قال العلاء: فإني لَمَعَ سليمان وهو يشرب حذاء رصافة أبيه، وذلك في آخر أيام يزيد الناقص، وعنده حكم الوادي، وهو يغنيه بشعر العَرْجِيّ:-
إن الحبيبَ ترَوَّحَتْ أحمالُهُ ... أصُلًا، فدمعك دائم إسْبالُهُ
اقنَ الحياء فقد بكيتَ بعَوْلَةٍ ... لو كان ينفع باكيًا إعوالُهُ
يا حبَّذا تلك الحمول، وحبَّذا ... شخصٌ هناك، وحبَّذا أمثالُهُ
فأجاد بما شاء، فشرب سليمان بالرطل، وشربنا معه، حتى توسدنا أيدينا، فلم أنتبه إلا بتحريك سليمان إياي، فقمت إليه مسرعًا، فقتل له: ما شأن الأمير؟ فقال لي: على رسْلِك، رأيت كأني في مسجد دمشق، وكأن رجلًا في يده خنجر وعليه تاج أرى بصيص ما فيه من جوهر، وهو رافع صوته بهذه الأبيات:-
أبَني أمَيَّة قد دنا تشتيتكم ... وذهابُ مُلكِكم وأن لا يرجع
وينالُ صفوتَهُ عدوٌّ ظالم ... للمحسنين إليه ثمة يفجعُ
بعد الممات بكل ذكر صالح ... يا وَيْلَهْ من قبح ما قد يَصْنَعُ
فقلت: بل لا يكون ذلك، وعجبت من حفظه، ولم يكن من أصحاب ذلك، فوَجَمَ ساعة ثم قال: يا حميري، بعيدُ ما يأتي به الزمان قريبٌ، قال: فما اجتمعنا على شراب بعد ذلك.
ودخلت سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وكان من أمر المسَوِّدة ومروان بن محمد الجعدي ما كان.