عمارة فيه ولا حيوان ناطق يسكنه ولا يحاط بمقداره ولا تُدْرَى ولا تدرك غايته ولا يعلم منتهاه وهو بحر الظلمات والأخضر والمحيط، وقد قيل: إن المنارة على غير هذا الزقاق، بل في جزيرة من جزائر بحر أوقيانوس المحيط وسواحله.
وقد ذهب قوم الى أن هذا البحر أصل ماء سائر البحار، وله اخبار عجيبة، قد أتينا على ذكرها في كتابنا «اخبار الزمان» في أخبار من غرَّر وخاطر بنفسه في ركوبه، ومن نجا منهم ومن تلف، وما شاهدوا منه وما رأوا، وان منهم رجلا من أهل الأندلس يقال له خشخاش، وكان من فتيان قرطبة وأحداثها، فجمع جماعة من أحداثها، وركب بهم في مراكب استعدها في هذا البحر المحيط، فغاب فيه مدة ثم انثنى بغنائم واسعة، وخبره مشهور عند أهل الأندلس، وبين هذه المنارة المنصوبة، وبين موضع الأحجار البحار مسافة طويلة في طول مصب هذا الخليج وجريانه، وذلك ان ماء يجري من بحر أوقيانوس الى البحر الرومي، يحس بجريانه ويعلم بحركته، ويتشعب من بحر الروم والشام ومصر، خليج من نحو خمسمائة ميل يتصل بمدينة رومية تسمى بالرومية ادرس، وعلى هذا الخليج من جانب المغرب قرية يقال لها سَبْتَة، وهي وطنجة من ساحل واحد، ويقابل سبتة هذه من ناحية الأندلس الجبل المعروف بجبل طارق مَوْلى موسى بن نُصَيْر، ويَعْبُرُ الناس من سبتة الى ساحل الأندلس من غدوة الى الظهر، وفي هذا الخليج مَوْجٌ عظيم، والماء من هناك يخرج من بحر أوقيانوس، ويصب الى البحر الرومي، وفي هذا الخليج مواضع تعلو أمواجها، ويعلو الماء من غير ريح، وهذا الخليج يسميه اهل المغرب وأهل الأندلس الزقاق إذ كان على هيئة ذلك، وفي بحر الروم جزائر كثيرة منها: جزيرة قبرص بين ساحل