فمنعه جبريل بن يختيشوع، وأشار جبريل الى صاحب المائدة أن يشيلها عن المائدة ويعزلها له، ففطن له الرشيد فلما رفعت المائدة وغسل الرشيد يده وخرج جبريل أمرني الرشيد باتباعه وأن أكبسه في منزله وهو يأكل فأرجع اليه بخبره، ففعلت ما أمرني به وأحسب أن أمري لم يخف على جبريل فيما تبينت من تحرزه، فإنه صار الى موضع من دار عون، ودعا بالطعام فأحضر له، وفيه السمكة، فدعا بأقداح ثلاثة، فجعل في واحد منها قطعة من السمك وصب عليها خمرًا من خمر طيرناباذ- وهي قرية بين الكوفة والقادسية ذات كروم وأشجار ونخل ورياض تخرقها الأنهار من كل البقاع من الفرات، شرابها موصوف بالجودة كوصف القطربلي- فصبه على السمكة وقال: هذا أكل جبريل، وجعل في قدح آخر قطعة منها، وصب عليها ماء بثلج شديد البرودة، وقال: هذا اكل أمير المؤمنين أعزه الله إن لم يخلط السمك بغيره، وجعل في القدح الثالث قطعة من السمكة، وجعل قطعًا من اللحم من ألوان مختلفة، من شواء ومن حلوى ومن بوارد وبقول، ومن سائر ما قدم اليه من الألوان، من كل واحد منها جزءًا يسيرًا مثل اللقمة واللقمتين، وصب عليها ماء بثلج، وقال: هذا أكل امير المؤمنين إن خلط السمك بغيره، من الطعام ودفع الثلاثة الأقداح الى صاحب المائدة وقال: احتفظ بها الى أن ينتبه أمير المؤمنين أعزه الله، ثم اقبل جبريل على السمكة فأكل منها حتى تضلع، وكان كلما عطش دعا بقدح من الخمر الصرف فشربه، ثم نام، فلما انتبه الرشيد من نومه سألني عما عندي من خبر جبريل، وهل أكل من السمكة شيئًا أم لم يأكل! فأخبرته بالخبر، فأمر بإحضار الأقداح الثلاثة فوجد ما في القدح الاول- وهو الذي ذكر جبريل أنه أكله وصب عليه الخمر الصرف- قد تفتت وانماع واختلط، ووجد ما في القدح الثاني- الذي قال جبريل إنه أكل أمير المؤمنين وصب عليه الماء بالثلج- قد ربا وصار على