ما تريدُ الناس مِنَّا ... ما تنامُ الناس عنا
إنما هِمَّتُهم أنْ ... يُظهروا ما قد دَفنّا
وأمر الرشيد من ساعته ياسرًا خادمه المعروف برخلة فقال له: إني أندبك لأمر ما أرى محمدًا ولا القاسم له أهلا ولا موضعًا، ورأيتك به مستقلا ناهضًا، فحقق ظني، واحذر أن تخالف أمري فيكون ذلك سببًا لسقوط منزلتك عندي وفساد حالك لدي، فقال: يا أمير المؤمنين، لو أمرتني أن أدخل السيف في بطني وأخرجه من ظهري بين يديك لفعلت، فمُرْني بأمرك فإني والله مسرع، فقال: ألست تعرف جعفر بن يحيى البرمكي؟ قال: يا أمير المؤمنين وهل أعرف سواه؟ أو يُنكر مثل جعفر؟ قال: ألم تر تشييعي إياه عند خروجه؟ قال: بلى، قال: فامض الساعة اليه فأتني برأسه على أي حالة تجده عليها، فأرتج على ياسر الكلام وأخذته رِعْدَة ووقف لا يحير جوابًا، فقال: يا ياسر، ألم أتقدم إليك بترك الخلاف عليّ؟ قال: بلى يا أمير المؤمنين، ولكن الخطب أجَلُّ من ذلك، والأمر الذي ندبني اليه أمير المؤمنين وددت لو أني كنت مت قبل أن يجري على يدي منه شيء، فقال: دع عنك هذا وامض لما قد أمرتك، فمضى ياسرٌ حتى دخل على جعفر وهو على حال لهوه، فقال له: إن أمير المؤمنين قد أمرني فيك بكيت وكيت، فقال جعفر: إن أمير المؤمنين يماز حني بأصناف من المزاح فأحسب أن هذا جنس منه، فقال: والله ما رأيته إلا جادًا، قال: فإن يكن الأمر كما قلت فهو اذًا سكران، قال: لا والله ما افتقدت من عقله شيئًا، ولا ظننته شرب نبيذًا في يومه مع ما رأيت من عبادته، قال له: فإن لي عليك حقوقًا لم تجد لها مكافأة في وقت من الأوقات إلا هذا الوقت، قال: تجدني الى ذلك سريعًا إلا فيما خالف أمير المؤمنين، قال: فارجع اليه فأعلمه أنك قد نفذت ما أمرك به فإن أصبح نادمًا كانت حياتي على يديك جارية، وكانت لك عندي نعمة مجددة وإن أصبح على مثل هذا الرأي نفذت ما أمرت به في