والله أعلم بكيفية ذلك، فأحضر المأمون الأطباء حوله يؤمل خلاصه مما هو فيه، فلما ثقل قال: أخرجوني أشرفُ على عسكري، وانظر إلى رجالي، وأ تبين ملكي، وذلك في الليل، فأخرج فأشرف على الخيم والجيش وانتشاره وكثرته وما قد أوقد من النيران، فقال: يا من لا يزول ملكه ارحم من قد زال ملكه، ثم رُدَّ إلى مرقده وأجْلَسَ المعتصم رَجلًا يشهده لما ثقل، فرفع الرجل صوته ليقولها، فقال له ابن ماسويه: لا تَصِحْ فو الله ما يفرق بين ربه وبين ماني في هذا الوقت، ففتح المأمون عينيه من ساعته، وبهما من العظم والكبر والاحمرار ما لم يُرَ مثله قط، وأقبل يحاول البطش بيديه بابن ماسويه، ورام مخاطبته، فعجز عن ذلك، فرمى بطرفه نحو السماء، وقد امتلأت عيناه دموعًا، فانطلق لسانه من ساعته، وقال: يا من لا يموت ارحم من يموت، وقضى من ساعته، وذلك في يوم الخميس لثلاث عشرة ليلة بقيت من رجب سنة ثماني عشرة ومائتين، وحمل إلى طرسوس فدفن بها، على حسب ما قدمنا في أول أخباره من هذا الكتاب.
قال المسعودي: وللمأمون أخبار حسان ومَعَانٍ وسير ومجالسات وأشعار وأخلاق جميلة، قد أتينا على مبسوطها فيما سلف من كتبنا، فأغنى ذلك عن ذكرها.
وفي المأمون يقول أبو سعيد المخزومي:-
هل رأيت النجوم أغنت عن المأ ... مون شيئًا وملكِهِ المأنوس
خَلَّفُوهُ بعرصتي طرسوس ... مثل ما خلفوا أباه بِطُوس
وكان المأمون كثيرًا ما ينشد هذه الأبيات:-
ومن لا يزل غَرَضًا للمنو ... ن يتركْنَهُ ذات يوم عميدا
فان هنَّ أخطأنه مرة ... فيوشك مخطئها أن يعودا
فبينا يحيد وتخطينه ... قصدن فأعجلنه أن يحيدا