الله الأمير! إنهم يكذبون علي ويحسدونني، فقالوا للوالي: بيننا وبينه واحدة، تجمع حُمُرَ المكارين وترسلها إلى عرفات، فإن لم تقصد إلى بيته لما تعودت من إتيان السفهاء والفُجَّار إياه فالقولُ ما قال، فقال الوالي: إن في هذا لدليلًا، وأمر بجمع الحمر، فجمعت ثم أرسلت فقصدت منزله، وأتاه أمناؤه فقال: ما بعد هذا شيء، جَرِّدُوه، فلما نظر إلى السياط قال: ولا بد من ضربي؟ قال: لا بد يا عدو الله، قال: اضرب فو الله ما في هذا شيء بأشد من أن يسخر بنا أهل العراق، ويقولون: أهْلُ مكة يجيزون شهادة الحمير، مع تقريعهم لنا بقبول شهادة الواحد مع يمين الطالب، قال: فضحك الوالي، وقال: لا أضربك اليوم، وأمر بتخلية سبيله وترك التعرض له.
قال المسعودي: وللمنتصر باللَّه أخبار حسان وأشعار ومُلَحٌ ومنادمات ومكاتبات ومراسلات قبل الخلافة، وقد أتينا على مبسوطها وما استحسنَّاه منها مما لم نورده في هذا الكتاب في كتابنا «أخبار الزمان» من الأمم الماضية والأجيال الخالية والممالك الداثرة، وكذلك في الكتاب الأوسط، إذ كنا ما ضمناه كل كتاب منها لم نتعرض لذكره في الآخر، ولو كان كذلك لم يكن بينها فرق، وكان الجميع واحدًا، وسنورد بعد فراغنا من هذا الكتاب كتابًا نضمنه فنونًا من الأخبار على غير نَظْم من التأليف، ولا ترتيب من التصنيف على حسب ما يَسْنَحُ من فوائد الأخبار ونخلله بالآداب وفنون الآثار، تاليًا لما سلف من كتبنا، ومعقبًا لما تقدم من تصنيفنا، إن شاء الله تعالى.