تطيب لنا به المعاشرة، وتلذ بمنادمته المؤانسة، فمن ترى أن يكون؟
وأعْفِنا أن يكون شرير الأخلاق، أو دنس الأعراق، أو ظاهر الإملاق، قال: فأعملت الفكر، وقلت: أيها الأمير، خطر ببالي رجل ليس علينا من مجالسته من مؤونة، وقد برئ من إبرام المُجالس، وخلا من ثقل المؤانس خفيف الوطأة إذا أحببت، سريع الوثبة إذا أردت، قال: ومن ذلك؟
قلت: ماني الموسوس، قال: أحسنت والله، فليتقدم إلى أصحاب الثمانية والعشرين الربع في طلبه يرفعوه رفعة، فما كان بأسرع من ان اقتنصه صاحب الكرخ، فصار به الى باب الأمير، فأخذ وحذف ونظف وأدخل الحمام وألبس ثيابًا نظافًا وأدخل عليه، فقال: السلام عليك ايها الأمير، فقال محمد: وعليك السلام يا ماني، أما آن لك ان تزورنا على حين توقان منا إليك ومنازعة قلوب منا نحوك؟ فقال ماني: الشوق شديد، والحب عتيد، والمزار بعيد، والحجاب صعب، والبواب فظ، ولو سهل لنا في الاذن لسهلت علينا الزيارة، فقال: ألطفتَ في الاستئذان فليلطف لك في الاذن، لا يمنع ماني أي وقت ورد من ليل او نهار، ثم أذن له في الجلوس، فجلس، ودعا بالطعام فأكل، ثم غسل يديه وأخذ مجلسه وكان محمد قد تشوَّق الى السماع من مؤنسة جارية بنت المهدي، فأحضرت، فكان أول ما غنت به:-
ولست بناس إذ غدوا فتحملوا ... دموعي على الأحباب من شدة الوجد
وقولي وقد زالت بليل حمولهم ... بواكر نجد لا يكن آخر العهد
فقال ماني: احسنت، وبحق الأمير إلا ما زدت فيه:-
وقمت اناجي الفكر والدمع حائر ... بمقلة موقوف على الضر والجهد
ولم يعدني هذا الأمير بغيرة ... على ظالم قد لج في الهجر والصد
فاندفعت تغنيه، فقال له محمد: أعاشق أنت يا ماني؟ فاستحيا، وغمزه