انطاكية، وقصة سورها، والملك الباني لها، وصفة سورها في السهل والجبل وقد كان قبل نزول احمد بن طولون على انطاكية وقع بين سيما وبين أحمد المؤيد حروب كثيرة ببلاد جند قنسرين والعواصم من أرض الشام، وكان سيما الطويل قد عم أذاه أهلها من قتل وأخذ مال، وكان نزول ابن طولون على باب من أبوابها يعرف بباب فارس تلقاء السوق، وقد أحاطت عساكره بها، ونزل غلامه المعروف بلؤلؤ على باب من أبوابها يعرف بباب البحر، وقد كان لؤلؤ بعد ذلك انحدر الى السلطان مستأمنًا، فأتى الموفق وهو منازل لصاحب الزنج، فكان من امره وقتل صاحب الزنج ما قدمنا ذكره فيما سلف من كتبنا من وقوع المشاجرة بين اصحاب لؤلؤ وأصحاب الموفق، كما قدمنا أيهم القاتل لصاحب الزنج، وكادت الحال ان تنفرج بينهم في ذلك اليوم حتى قيل في عسكر الموفق:-
كيفما شئتم فقولوا ... انما الفتح للولو
فكان ابن طولون على انطاكية في آخر سنة اربع وستين ومائتين، وكان افتتاحه إياها في سنة خمس وستين ومائتين بالحيلة من داخلها من بعض أهلها بالليل، وقد أخذوا بحراسهم سورها فتحدر بعضهم مما يلي الجبل وباب فارس فأتى ابن طولون وقد يئس من فتحها لمنعتها وحصانة سورها، فوعدوه فتحها، فضم اليه عدة من رجاله، فتسلقوا من حيث نزلوا، واستعد هو في عسكره، وأخذ اهبته وسيما في داره، فما انفرج عمود الصبح الا والطولونية قد كبَّروا على سورها، ونزلوا منحدرين إليها، وارتفع الصوت، وكثر الضجيج، وركب سيما فيمن تسرع معه من خواصه، فأرسلت عليه امرأة من اعالي سطح حجر رحًا فأتت عليه، وأخذ بعض من عرفه رأسه فأتى به ابن طولون، وقد دخل من باب فارس ونزل على عين هنالك ومعه الحسين بن عبد الرحمن القاضي المعروف بابن الصابوني الانطاكي الحنفي، فعاث اصحاب ابن طولون ساعة بأنطاكية، وشمل الناس اذاهم، ثم رفع ذلك لساعتين من