مركب الصوري غنَّى طربًا، وصاح فرحًا وسرورًا وابتهاجًا بقدومه، فدنا من أسفل القصر، وحط القلع، وأشرف البطريق على المركب، فنظر إلى ما فيه من حسن ذلك البساط ونظم ذلك الفرش كأنه رياض تزهر، فلم يستطع اللبث في موضعه حتى نزل قبل أن يخرج ذلك الصوري من مركبه اليه، فطلع المركب، فلما استقرت قدمه في المركب ودَنا من المجلس ضرب الصوري بعقبه على من تحت البساط من الوقوف، وكانت علامة بينه وبين الرجال الذين في بطن المركب، فما استقر دقه بقدمه حتى اختطف المركب بالمجاذيف فإذا هو في وسط الخليج يطلب البحر لا يلوي على شيء، وارتفع الصوت، ولم يدر ما الخبر لمعاجلة الأمر، فلم يكن الليل حتى خرج من الخليج وتوسط البحر، وقد أوثق البطريق كتافًا، وطابت له الريح، وأسعده الجد، وحملته المجاذيف في ذلك الخليج، فتعلق في اليوم السابع بساحل الشام، ورأى البر، وحمل الرجل، فكانوا في اليوم الثالث عشر حضورًا بين يدي معاوية بالفرح والسرور لإثلاجه بالأمر وتمام الحيلة، وأيقن معاوية بالظفر وعلو الجد، فقال: عليّ بالرجل القرشي، فأتي به، وقد حضره خواص الناس، فأخذوا مجالسهم، وانغصّ المجلس بأهله، فقال معاوية للقرشي: قم فاقتصَّ من هذا البطريق الذي لطم وجهك على بساط معظم الروم فإنا لم نضيعك ولا أبحنا دمك وعرضك، فقام القرشي ودنا من البطريق، فقال له معاوية: انظر لا تتعدَّ ما جرى عليك منه، واقتص منه على حسب ما صنع بك، ولا تتعدَّ، وراع ما اوجب الله عليك من الممائلة، فلَطَمَهُ القرشي لطمات، ووكزه في حلقه، ثم انكبَّ القرشي على يدي معاوية وأطرافه يقبلها، وقال: ما أضاعك من سَوَّدك، ولا خاب فيك أملُ من أمَّلك، أنت ملك لا تضام، تمنع حماك، وتصون رعيتك، وأغرَقَ في دعائه ووصفه، وأحسن معاوية الى البطريق، وخلع عليه وبرَّهُ، وحمل معه البساط، وأضاف الى ذلك أمورًا كثيرة وهدايا الى الملك، وقال له: