فهرس الكتاب

الصفحة 1546 من 1697

من ألف نفس ممن عرف دون من لم يعرف، واستخرج الناس من دجلة، بالكلاليب وبالغاصة، وارتفع الضجيج، وكثر الصُّراخ من الجانبين جميعًا، فبينما الناس كذلك إذ أخرج بعض الغاصَةِ صبيًا عليه حلي فاخرة من ذهب وجوهر، فبصر به شيخ من النظارة طَرَّار فجعل يلطم وجهه حتى أدمى أنفه، ثم تمرغ في التراب، وأظهر أنه ابنه، وجعل يقول: يا سيدي، لم تَمُتْ إذ أخرجوك صحيحًا سويًا لم يأكلك السمك، ولم تمت، حبيبي ليتني كحلت عيني بك مرة قبل الموت، وأخذه فحمله على حمار ثم مضى به، فما برح القوم الذين رأوا من الشيخ ما رأوا حتى أقبل رجل معروف باليسار مشهور من التجار حين بلغه الخبر وهو لا يشك إلا أن الصبي في أيديهم، وليس يهمه ما كان عليه من حلي وثياب، وإنما أراد أن يكفنه ويصلي عليه ويدفنه، فخبره الناس بالخبر، فبقي هو ومن معه من التجار متعجبين مبهوتين، وسألوا عنه واستبحثوا فإذا لا عين ولا أثر، وعرف تَوَّابو هذا الجسر هذا الشيخ المحتال فأيأسوا أبا الغريق منه، وذكروا أنه شيخ قد أعياهم أمره وحيرهم كيده، وأنه بلغ من حيله وخبثه ودهائه أنه أتى يومًا من أول الصباح إلى باب بعض العُدُول الكبار المشهورين بالرياسة واليسار ومعه جرة فارغة قد حملها على عاتقه وفأس وزنبيل، فقام في ثوب خَلَقٍ ولم يتكلم حتى وضع الفأس في الدكاكين التي على باب ذلك العدل فهدمها، وجعل ينقي الآجر ويعزله، فسمع ذلك العدل بهدمها ووقع الفأس والهدم، فخرج لينظر فإذا الشيخ دائب يهدم دكاكينه التي على باب داره، فقال: يا عبد الله، أي شيء تصنع؟ ومن أمرك بهذا؟ فجعل الشيخ يعمل عمله، ولا يلتفت إلى العدل، ولا يكلمه، فاجتمع الجيران وهما في المحاورة، فأخذوا بيد الشيخ، فوكزه هذا، ودفعه هذا، فالتفت إليهم، فقال: ما لكم؟ ويلكم!! أي شيء تريدون مني؟ أما تستحيون؟ تعبثون بي وأنا شيخ كبير؟! فقالوا: ما لنا والعَبَث بك؟ ويحك!! من أمرك بهذا؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت