فهرس الكتاب

الصفحة 1605 من 1697

ومهدت الطريق لمائها في كل خَفْض ورَفْع وسهْل وجبل ووَعْر، حتى أخرجتها من مسافة اثني عشر ميلًا الى مكة، فكان جملة ما أنفقت عليها- مما ذكر وأحصي- ألف ألف وسبعمائة ألف دينار، وما قدمت ذكره من المصانع والدور والبرك والآبار بالحجاز والثغور، وإنفاقها الألوف على ذلك، دون ما كان في وقتها من البذل، وما عم أهل الفاقة من المعروف والخصب، وأما الوجه الثاني- مما تتباهى به الملوك في أعمالهم، وينعمون به في أيامهم، ويصونون به دولهم، ويدون في أفعالهم وسيرهم- فهو أنها أول من اتخذ الآلة من الذهب والفضة المكللة بالجوهر، وصنع لها الرفيع من الوَشْيِ، حتى بلغ الثوب من الوشي الذي اتخذ لها خمسين ألف دينار، وهي أول من اتخذ الشاكرية من الخدم والجواري، يختلفون على الدواب في جهاتها، ويذهبون في حوائجها برسائلها وكتبها، وأول من اتخذ القباب من الفضة والآبنوس والصندل وكلاليبها من الذهب والفضة ملبسة بالوشي والسمور والديباج وأنواع الحرير من الأحمر والأصفر والأخضر والأزرق، واتخذت الخفاف المرصعة بالجوهر وشمع العنبر، وتشَبَّه الناس في سائر أفعالهم بأم جعفر.

ولما أفضى الأمر إلى ولدها يا أمير المؤمنين قدَّم الخدم، وآثرهم، ورفع منازلهم، ككوثر وغيره من خدَمِه، فلما رأت أم جعفر شدة شغفه بالخدم واشتغاله بهم اتخذت الجواري المقدودات الحسان الوجوه، وعممت رؤوسهن، وجعلت لهن الطُّرَر والأصداغ والأقفية، وألبستهن الأقبية والقراطق والمناطق، فماست قدودهن، وبرزت أردافهن، وبعثت بهن إليه، فاختلفن في يديه، فاستحسنهن واجتذبن قلبه إليهن، وأبرزهن للناس من الخاصة والعامة واتخذ الناس من الخاصة والعامة الجواريَ المطمومات، وألبسوهن الأقبية والمناطق، وسموهن الغُلاميات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت