صاحب الأندلس في هذا الوقت المقدم ذكره غزا سنة سبع وعشرين وثلثمائة في أزيد من مائة ألف فارس من الناس، فنزل على دار مملكة الجلالقة، وهي مدينة يقال لها سمورة، عليها سبعة أسوار من عجيب البنيان قد أحكمتها الملوك السالفة، بين الأسوار فصلان وخنادق ومياه واسعة، فافتتح منها سورين، ثم إن أهلها ثاروا على المسلمين فقتلوا منهم- ممن أدرك الإحصاء وممن عُرف- أربعين ألفًا، وقيل: خمسين ألفًا، وكانت للجلالقة والوشكند على المسلمين، وآخر ما كان بأيدي المسلمين من مدن الأندلس وثغورها مما يلي الإفرنجة مدينة أربونة، خرجت من أيدي المسلمين سنة ثلاثين وثلاثمائة مع غيرها مما كان في أيديهم من المدن والحصون، وبقي ثغر المسلمين في هذا الوقت- وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة- من شرقي الاندلس طرطوشة، وعلى ساحل بحر الروم مما يلي طرطوشة آخذًا في الشمال أفراغة على نهر عظيم، ثم لاردة، ثم بلغني عن هذه الثغور أنها تلاقي الإفرنجة، وهي أضيق مواضع الأندلس، وقد كان قبل الثلثمائة ورد الى الاندلس مراكب في البحر فيها ألوف من الناس أغارت على سواحلهم، زعم أهل الأندلس أنهم ناس من المجوس تطرأ اليهم تظهر إليهم في هذا البحر في كل مائتين من السنين، وأن وصولهم إلى بلادهم من خليج يعترض من بحر أوقيانوس، وليس بالخليج الذي عليه المنارة النحاس، وأرى- والله أعلم- أن هذا الخليج متصل ببحر ما يطس ونيطس وأن هذه الأمة هم الروس الذين قدمنا ذكرهم فيما سلف من هذا الكتاب، إذ كان لا يقطع هذه البحار المتصلة ببحر أوقيانوس غيرهم، وقد أصيب في البحر الرومي فيما بين جزيرة أقريطش ألواح المراكب الساج المثقبة المخيطة بليف النارجيل من مراكب قد عطبت تقاذفت بها الأمواج في مياه البحار، وهذا لا يكون الا في البحر الحبشي، لأن مراكب البحر