لا تستقيم أموره ولا تنتظم أحواله إلا باستقامة الرئيس الذي قدمنا ذكره علموا أن الناس لا يستقيمون إلا بملك ينصفهم، ويوجه ويوجب العدل عليهم، وينفذ الأحكام على ما يوجبه العقل بينهم، فساروا إلى كيومرث بن لاوذ، وعرَّفوه حاجتهم إلى ملك وقيم، وقالوا: أنت أفضلنا وأشرفنا وأكبرنا، وبقية أبينا، وليس في العصر من يوازيك، فرُدَّ أمرنا إليك، وكن القائم فينا، فإنا تحت سمعك وطاعتك، والقائلون بما تراه، فأجابهم إلى ما دعوه إليه، واستوثق منهم بأكيد العهود والمواثيق على السمع والطاعة وترك الخلاف عليه، فلما وضع التاج على رأسه، وكان أول من ركب التاج على رأسه من اهل الأرض، قام خطيبًا وقال: إن النعم لا تدوم إلا بالشكر، وإنا نحمد الله على أياديه ونشكره على نعمه، ونرغب إليه في مزيده، ونسأله المعونة على ما دفعنا إليه، وحسن الهداية إلى العدل الذي به يجتمع الشمل ويصفو العيش، فثقوا بالعدل منا، وأنصفونا من أنفسكم، نوردكم إلى أفضل ما في هممكم، والسلام.
فلم يزل كيومرث قائمًا بالأمر، حسن السيرة في الناس، والحال آمنة، والأمة ساكنة طول مدته إلى أن مات.
ولهم في وضع التاج على الرأس أسرار يذكرونها أعرضنا عن ذكرها، إذ كنا قد أتينا على ذلك في كتابنا «أخبار الزمان» وفي الكتاب الأوسط.
وذكروا أن كيومرث أول من أمر بالسكوت بالسكون عند الطعام، لتأخذ الطبيعة بقسطها فيصلح البدن بما يرد اليه من الغذاء، وتسكن النفس عند ذلك، فَتُدَبِّر كل عضو من الأعضاء تدبيرًا يؤدي الى ما فيه صلاحه من أخذ صفو الطعام، فيكون