لهيكل بيت المقدس، وكان ملك الشام يومئذ أبطنجنس، وهو الذي بنى مدينة أنطاكية، وكانت دار ملكه، وجعل بناء سورها أحد عجائب العالم في البناء على السهل والجبل، ومسافة السور اثنا عشر ميلا، عدة الابراج فيه مائة وستة وثلاثون برجًا، وجعل عدد شرفاته أربعة وعشرين ألف شرفة، وجعل كل برج من الأبراج ينزله بطريق برجاله وخيله وجعل كل برج منها طبقات الى اعلاه، فمرابط الخيل في أسفله، وأرضه، والرجال في طبقاته، والبطريق في أعلاه، وجعل كل برج منها كالحصن عليه أبواب حديد، وآثار الأبواب ومواضع الحديد بيِّن الى هذا الوقت- وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة واظهر فيها مياهًا من أعين وغيرها، لا سبيل الى قطعها من خارجها، وجعل إليها مياهًا منصبة في قنىً مخرقة إلى شوارعها ودورها، ورأيت فيها من هذه المياه ما يستحجر في مجاريها المعمولة من الخزف لترادف التقن فيها فيتراكم طبقات ويمنع الماء من الجريان بانسداده، فلا يعمل الحديد في كسره، وقد ذكرنا ذلك في كتابنا المترجم ب «القضايا والتجارب» ما شاهدناه حسا، ونمي إلينا خبرًا، مما يورده ماء انطاكية في اجساد الحيوان الناطق وأجوافهم، وما يحدث في معدهم، من الرياح السوداوية الباردة والقولنجية الغليظة، وقد اراد الرشيد سكناها فقيل له بعض ما ذكرنا من أوصافها، وترادف الصدأ على السلاح من السيوف وغيرها بها، وعدم بقاء ريح انواع الطيب بها، واستحالته على اختلاف أنواعه فامتنع من سكناها.